فخ السلالات الحاكمة: مقامرة واشنطن بالسياسة الواقعية تعيد تشكيل مستقبل ليبيا

صفقة أمريكية مثيرة للجدل تهدد بتحويل السيادة الليبية إلى مشروع عائلي مغلق

بعد عقد ونصف من انهيار نظام القذافي، تحولت ليبيا من ساحة حرب نشطة إلى نظام معقد من عدم الاستقرار المُدار ببراعة. واليوم، يحاول مسار وساطة أمريكي جديد كسر الجمود السياسي — عبر إضفاء الشرعية على ما يصفه المراقبون بـ"كارتل عائلي" يهيمن على مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي.

هذه المبادرة، التي يقودها كبير مستشاري الولايات المتحدة مسعد بولس، تجاوزت الأطر التقليدية المتعددة الأطراف لصالح صيغة واقعية لتقاسم السلطة. تهدف الاستراتيجية إلى تنصيب الفريق صدام حفتر — الوريث المعين للجهاز العسكري في الشرق — رئيساً لمجلس رئاسي موسع الصلاحيات، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة في منصبه كرئيس للحكومة في طرابلس.

عقيدة الاقتصاد أولاً… ومخاطرها السياسية

في إطار خطة بولس، تحاول واشنطن مقايضة الاستقرار الاقتصادي الكلي بتعزيز النخب السياسية. يعتمد هذا النهج على هيكل مالي موحد — ترتكز على الميزانية الوطنية الليبية البالغة 190 مليار دينار — لتحفيز التعاون بين أقوى شبكتين عائليتين في البلاد.

وبحسب المحلل السياسي أمين أيوب، الكاتب في صحيفة "ذا تايمز أوف إسرائيل"، فإن نقطة الضعف الجوهرية في "سلام الشركات" هذا هي اعتماده على اتفاقات شخصية هشة تفتقر إلى العمق المؤسسي. يكتب أيوب: "الاستراتيجية الغربية تشرعن نظام كارتل غير خاضع للمساءلة يعمل فوق القانون".

السوابق الإقليمية وتحذيرات التاريخ

يقدم التاريخ تحذيراً قاسياً ضد مثل هذه الصفقات النخبوية الضيقة. فمحاولة فرض التوريث الأسري ضمن شبكات شخصية، دون إجماع مجتمعي واسع، مهدت الطريق مراراً للانهيار المؤسسي في المنطقة. يشير المحللون إلى انهيار نظام علي عبد الله صالح في اليمن واتفاقات النخبة الهشة في العراق ما بعد 2003 كأمثلة تحذيرية.

ويضيف أيوب: "عندما تُعامل السيادة كأصل قابل للتوريث بدلاً من كونها تفويضاً عاماً، فإن الدولة تفقد شرعيتها المستقرة وتتحول إلى أداة هشة للإثراء الخاص".

احتكاك داخلي في القيادة الشرقية

أحد المتغيرات الأكثر تقلباً هو ديناميكية القوة داخل القيادة العسكرية في الشرق الليبي. فالتركيز السريع للسلطات السياسية والمالية والأمنية في يدي صدام حفتر يولّد احتكاكاً داخل عائلته نفسها. فشقيقاه خالد وبلقاسم حفتر، اللذان يقودان وحدات أمنية موازية وصناديق استثمار تنموية، ينظران إلى هذا الترفيع الفردي بارتياب مؤسسي عميق.

إذا أدت الانقسامات الداخلية إلى تصدع القيادة العسكرية الشرقية بعد رحيل قائدها المسن خليفة حفتر، فإن الاستقرار المؤقت الذي اشترته صفقة بولس قد يتبدد بسرعة — تاركاً وراءه مشهداً أمنياً منقسماً دون صمامات أمان مؤسسية.

من الميليشيات إلى مدراء الأصول

الخطر الآخر هو التحول الجوهري في طبيعة الميليشيات المنتشرة في البلاد. فبدلاً من التنافس على الشرعية المحلية، باتت الجماعات المسلحة مدفوعة لتصبح "مدراء أصول مسلحة" تتنافس على حصص من الميزانية البالغة 190 مليار دينار. هذا يحول الصراع من معركة جيوسياسية إلى حرب على الريع المالي، مما يفرغ مؤسسات حيوية مثل المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط من استقلالها.

مقاومة مصراتة ومفارقة طرابلس

كان رد الفعل الداخلي حاداً في مصراتة — القوة التاريخية للنخبة العسكرية والتجارية في غرب ليبيا. بالنسبة لقادة مصراتة وألوية الثوار، تمثل ترقية صدام حفتر تهديداً وجودياً واستسلاماً للقوات التي حاصرت طرابلس خلال صراع 2019.

تخلق هذه المقاومة مفارقة أمنية حادة: إذا تبنى رئيس الوزراء الدبيبة اتفاق واشنطن بالكامل، يخاطر بإثارة تمرد بين حلفائه في الغرب. وإذا رفض الترتيبات، يواجه اختناقاً مالياً وعزلة دبلوماسية عن الداعمين الغربيين.

ويختم أيوب بالقول: "إلى أن تدرك واشنطن وحلفاؤها أن الاستقرار المستدام لا يمكن هندسته عبر كارتلات بالوكالة، ستبقى ليبيا محاصرة في مرحلة انتقالية هشة، ينفد وقتها قبل الانزلاق التالي إلى صراع شامل".

— ليبيا برس / مكتب السياسة