أزمة المياه تتجاوز أوروبا: ليبيا تواجه تحديات وجودية تتطلب إدارة مستدامة

ندرة المياه العالمية تصل إلى مستويات حرجة في حوض المتوسط

تصاعدت أزمة المياه العالمية لتصل إلى جنوب أوروبا، واضعةً ليبيا في قلب التحدي. تشير الأمم المتحدة إلى أن 2.4 مليار شخص يعيشون في بلدان تعاني شح المياه. وحوض المتوسط يسجل ارتفاعاً حرارياً أسرع بنسبة 20% من المتوسط العالمي — مما يهدد الأمن المائي الهش في ليبيا.

تعتمد ليبيا، حيث 95% من أراضيها صحراء، على مشروع النهر الصناعي العظيم، أحد أكبر شبكات الري في العالم. لكن البنية التحتية المتقادمة، والانقسام السياسي، وتناقص احتياطيات المياه الجوفية، دفعت البلاد نحو حالة طوارئ مائية تتطلب تدخلاً فورياً ومستداماً.

كيف ترتبط أزمة المياه الأوروبية بليبيا

سجلت دول جنوب أوروبا — إسبانيا وإيطاليا واليونان وقبرص — أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من 500 عام في 2025، وفقاً لدراسة نشرتها مجلة نيتشر في علوم الأرض. انخفضت مستويات الخزانات إلى أقل من 30% في صقلية والأندلس، بينما وصل نهر بو في إيطاليا إلى أدنى مستوياته التاريخية. وحذر تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية في مارس 2026 من أن انعدام الأمن المائي في شمال أفريقيا يؤثر بشكل مباشر على أنماط الهجرة وتجارة الطاقة والاستقرار الإقليمي.

ليبيا، بساحل يبلغ 1770 كيلومتراً على المتوسط وتركّز سكاني على الساحل، تقع في قلب هذه الضغوط. هذا الوضع يجعلها ليست فقط متأثرة بالأزمة، بل جزءاً لا يتجزأ منها.

واقع المياه في ليبيا: نضوب الموارد وتزايد الطلب

تقدر الموارد المائية المتجددة في ليبيا بنحو 600 مليون متر مكعب سنوياً فقط — أي أقل من 100 متر مكعب للفرد، وهو أدنى بكثير من عتبة الـ 1000 متر مكعب التي تحدد حالة ندرة المياه. تعتمد البلاد على المياه الجوفية الأحفورية من نظام الحجر الرملي النوبي، الذي يستغله مشروع النهر الصناعي العظيم منذ عام 1991. ويقدر باحثون في جامعة طرابلس أنه بمعدلات الاستخراج الحالية، قد تواجه الطبقة الجوفية استنزافاً كبيراً خلال 50 عاماً.

تؤدي خسائر البنية التحتية إلى تفاقم الأزمة. فخلال الصراعات السابقة، تعرضت خطوط الأنابيب ومحطات الضخ ومحطات التحلية لأضرار بالغة. وفي عام 2025، أفادت وزارة الموارد المائية أن 40% من المياه المعالجة تُفقد بسبب التسريبات والوصلات غير المصرح بها قبل وصولها إلى المستهلكين. في الوقت نفسه، أدى التوسع الحضري السريع إلى زيادة الطلب بنسبة 3.5% سنوياً، مما يضغط على نظام يعاني أصلاً من تراجع قدرته التشغيلية.

تغير المناخ يُسرّع الإجهاد المائي

ارتفع متوسط الحرارة في ليبيا 1.6 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الصناعة — متجاوزاً المتوسط العالمي (1.2°م). انخفض هطول الأمطار 12% خلال ثلاثة عقود، وتتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ انخفاضاً إضافياً بـ15–20% بحلول 2050. موارد ليبيا المائية السطحية — الهشة أصلاً — تتقلص بينما ترتفع معدلات التبخر.

الزراعة، التي تستهلك 83% من المياه، هي الأكثر تضرراً. انخفض إنتاج القمح في جبل نفوسة بنسبة 30% منذ 2018، مما دفع البلاد لاستيراد 75% من احتياجاتها. ويحذر المهندسون الزراعيون من أنه دون التحول إلى محاصيل مقاومة للجفاف وري فعّال، قد تتجاوز فاتورة استيراد الغذاء 90% خلال عقد.

تحلية المياه: حل ضروري لكنه مكلف

تدير ليبيا 20 محطة لتحلية المياه بطاقة 600 ألف متر مكعب يومياً، لكن معظمها يعمل بأقل من 50% من طاقته بسبب مشاكل الصيانة ونقص الوقود. خصصت ميزانية 2025 نحو 120 مليون دينار للبنية التحتية للمياه — وصفه خبراء بأنه "غير كافٍ"، علماً أن تشغيل محطة متوسطة يتطلب 50–80 مليون دينار سنوياً.

عرض البنك الأوروبي للاستثمار المساعدة الفنية لتحديث التحلية في ليبيا، لكن عدم الاستقرار السياسي حال دون المضي قدماً. الإدارة المستدامة للمياه لا تتطلب بنية تحتية فحسب، بل إصلاحاً مؤسسياً يتجاوز الانقسامات السياسية.

الطريق إلى الأمام: الإدارة المتكاملة للموارد المائية

توصي منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ليبيا باعتماد إطار الإدارة المتكاملة للموارد المائية، الذي يشمل تحديث تقنيات الري، وتنفيذ إصلاحات في تسعير المياه للحد من الهدر، والاستثمار في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، وتعزيز الدور التنظيمي للهيئة العامة للمياه. وفي أبريل 2026، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية عن شراكة مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي لإعادة تأهيل شبكات المياه في طرابلس وبنغازي ومصراتة.

كما تم اقتراح إنشاء مجلس وطني للمياه لتنسيق السياسات بين الشرق والغرب — خطوة ضرورية نحو حوكمة موحدة لمورد لا يعترف بالحدود. أزمة المياه في ليبيا ليست تهديداً مستقبلياً، بل حالة طوارئ راهنة. قدرة ليبيا على إدارة مواردها المائية بشكل مستدام ستحدد صمودها في العقود المقبلة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة