دعوات غربية متجددة لهدنة في السودان.. هل يستطيع المجتمع الدولي إنهاء الحرب؟

ضغوط دولية متصاعدة تواجه واقعاً ميدانياً متعطشاً للقتال

أكثر من 14 مليون سوداني نزحوا منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023، فيما يواجه أكثر من 21 مليون شخص خطر المجاعة الحادة وفق برنامج الأغذية العالمي. ورغم الضغوط المتجددة لوقف إطلاق النار، لا تزال المعارك مستعرة في كردفور ودارفور، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الضغط الدولي على تحقيق سلام حقيقي.

كثّفت الولايات المتحدة الأمريكية جهودها بالتعاون مع شركائها الرباعيين — المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة — للتوسط في التوصل إلى هدنة إنسانية. وأعلن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، في فبراير 2026 أن الطرفين المتحاربين قد وافقا مبدئياً على خطة هدنة إنسانية تمهد لثلاثة أشهر من وقف القتال، يعقبها مسار سياسي أطول المدى. لكن على الأرض، لم تتوقف أصوات المدافع بعد.

سودان المنقسيم: حرب استنزاف بلا غالب أو مغلوب

أنتجت الحرب الأهلية انقساماً فعلياً في خريطة السودان. فالجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يسيطر على الخرطوم ويمتلك نفوذاً في شرق وشمال ووسط البلاد. في المقابل، تهيمن قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) على غرب السودان بما يشمل جميع ولايات دارفور الخمس. وتركز المعاليوم بشكل رئيسي في إقليم كردفور — المنطقة الحيوية التي تمتد على مساحة 390 ألف كيلومتر مربع ويسكنها نحو 8 ملايين نسمة، وتقع بين منطقتي النفوذ.

في شمال كردفور، اندلعت اشتباكات عنيفة في بارا وأم سيالة. يدّعي الجيش صدّ هجمات الدعم السريع في ولايات كردفور الثلاث، بينما تؤكد قوات الدعم السريع سيطرتها على أجزاء واسعة من المناطق المحيطة. وفي غرب كردفور، تظل بابنوسة محوراً للصراع المفتوح.

أبرز الأرقام: الحرب السودانية في سبع حقائق

  • أكثر من 14 مليون سوداني نزحوا داخلياً وخارجياً منذ أبريل 2023
  • 21 مليون شخص يواجهون المجاعة الحادة، وفق برنامج الأغذية العالمي
  • عشرات الآلاف قُتلوا في عمليات موثقة في دارفور وكردفور
  • 390 ألف كم² مساحة إقليم كردفور، بؤرة القتال الحالية
  • 4 دول في التحالف الرباعي (أمريكا والسعودية ومصر والإمارات) تقود مبادرة السلام الأخيرة
  • 3 أشهر المدة المقترحة لوقف إطلاق النار الإنساني الأولي

الوجوه الإنسانية: أصوات من قلب المأساة

وصفت الأمم المتحدة الأزمة السودانية بأنها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. وتُفيد وكالات الإغاثة بظروف مجاعة في مناطق متعددة، مع توثيق مجازر مروعة في الفاشر وعبر دارفور. وتبقى الفجوة شاسعة بين التصريحات الدبلوماسية والواقع الميدالي.

وخلص تحليل لوكالة رويترز إلى أن "الهدنة المقترحة بلا خريطة طريق واضحة ولا جدول زمني ملزم" — وهو تشخيص يتقاسمه كثير من المراقبين. ولم يُظهر أي من الطرفين استعداداً حقيقياً للتنازل عن المكتسبات العسكرية من أجل عملية سياسية.

لماذا يهتم الليبيون بما يحدث في السودان؟

تحمل الأزمة السودانية تداعيات مباشرة على ليبيا التي تشترك مع جارتها الشرقية في حدود طويلة ومحفوفة بالمخاطر. وقد عبر الآلاف من اللاجئين السودانيين إلى الأراضي الليبية منذ اندلاع الحرب، مما يضغط إضافي على مجتمعات تعاني أصلاً من عدم الاستقرار. وتهدد التداعيات الأمنية للصراع — من تهريب الأسلحة إلى تمليش الميليشيات والنزوح العابر للحدود — الاستقرار الإقليمي عبر الساحل الأفريقي وشمال أفرقيا.

بالنسبة لصانعي القرار الليبيين، فإن الحرب السودانية ليست شأناً بعيد المدى. فاستمرار الصراع قد يُعمق الأزمات على الحدود ويغذي شبكات التهريب ويُزعزع استقرار جنوب ليبيا. والقوى الإقليمية المنخرطة تصنع المشهد الجيوسياسي الذي يتعيّن على ليبيا التعامل معه بحكمة.

هل تنجح الدبلوماسية حيث أفشلت القوة؟

يواجه المجتمع الدولي اختبار مصداقية حقيقياً. فخارطة طريق التحالف الرباعي المعلنة في سبتمبر 2025 ومقترح الهدنة في فبراير 2026 يمثلان أكثر جهود السلام تنظيماً حتى الآن. لكن بدون آليات إنفاذ ومراقبة مستقلة وإرادة سياسية حقيقية من الطرفين، تشير التجارب التاريخية إلى أن مثل هذه المبادرات قد تتحول إلى مجرد حاشية في حرب ألبت معاناة لا تُقدّر بثمن.

ما يمنح أملاً حذراً هو الموافقة المبدئية من كلا الجانبين — وهو حدث نادر في هذا الصراع. فإذا تمكنت الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون من توظيف الحوافز الاقتصادية والانخراط الدبلوماسي المستدام، تظل الهدنة الإنسانية وارعة المنال. بالنسبة لـ 21 مليون سوداني يواجهون الجوع و14 مليون اقتُلعوا من ديارهم، فإن أي وقف مؤقت لإطلاق النار يمثل خيط نجاة. العالم يراقب — والمنطقة أيضاً.

— ليبرس / مكتب السياسة