مليون دولار لوكالة غير موجودة.. كيف اخترق الاحتيال ميزانية الحكومة النيجيرية؟

وكالة وهمية بميزانية 944 ألف دولار ومكاتب داخل الأمانة الفيدرالية في أبوجا

أمر الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو بإجراء تحقيق عاجل في كيفية تخصيص 1.3 مليار نيرة (نحو 944 ألف دولار) من الميزانية الوطنية لوكالة حكومية مزيفة بالكامل تحمل اسم "المجلس الرئاسي لتعزيز التدخل الأجنبي"، والتي كانت تعمل بشكل علني داخل الأمانة الفيدرالية في العاصمة أبوجا، في نفس المجمع الذي يضم الوزارات الحكومية الشرعية.

وجاء التوجيه إلى اللجنة المستقلة للممارسات الفاسدة والجرائم الأخرى ذات الصلة ، مع منحها 30 يوماً لإكمال التحقيق وتقديم تقرير شامل إلى الرئاسة، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة النيجيرية.

من يقف خلف الوكالة المزيفة؟

يُزعم أن رجلاً يدعى أدينيي أديمي ماثيو قدم نفسه مديراً عاماً للمجلس غير الموجود قانوناً، مدعياً كذباً أنه معين رئاسياً ومزوّراً وثائق رسمية لدعم منصبه. ووصفته الرئاسة بأنه "محتال" له سجل من الادعاءات الكاذبة، مؤكدة أن الحكومة لم تنشئ مثل هذا المجلس قط، وأن لا قانون أو أداة رئاسية أو موافقة تنفيذية تستند إلى وجوده.

وقال المتحدث باسم الرئاسة بايو أونانوغا إن ماثيو محتال مدان سبق له انتحال شخصية زعيم منظمة شبابية تابعة للأمم المتحدة في عام 2017، مدعياً أنه الرئيس المنتخب لهيئة تسمى "منظمة الشباب العالمية"، قبل أن يتبين لاحقاً أنها لا تمت للأمم المتحدة بأي صلة.

كيف انكشفت القضية؟

وفقاً لصحيفة الغارديان البريطانية، انكشف أمر الوكالة الوهمية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما أرسل فيمي غباجابياميلا، كبير موظفي الرئاسة النيجيرية، خطاباً إلى الشرطة يزعم فيه أن توقيعه وأختامه الرسمية وأرقامه المرجعية قد زُورت من قبل ماثيو. وأكد غباجابياميلا أنه لم يلتق بماثيو قط ولم يسلمه أي خطاب تعيين، خلافاً لادعاءات الأخير.

ووجهت الشرطة لائحة اتهام من 8 بنود ضد ماثيو واثنين من المشتبه بهم الآخرين، تشمل التزوير الجنائي وانتحال الصفة والاحتيال. ومن المقرر أن تنظر محكمة في أبوجا القضية في 27 يوليو/تموز الجاري.

اختراق الميزانية والشبكة المصرفية

كشف التحقيق أن ماثيو ضلل مكتب المحاسب العام للاتحاد لفتح حسابات مصرفية للمجلس الوهمي في البنك المركزي النيجيري و33 بنكاً تجارياً. كما اتهم بمقابلة سفراء أجانب دون علم وزارة الخارجية، واستخدام ادعاء تعيينه الرئاسي الكاذب للحصول على دعم دبلوماسي شمل تسهيل التأشيرات.

وأكدت الرئاسة أنها لم تصرف أي أموال عامة فعلياً للوكالة الوهمية، رغم أن التخصيص المالي كان قد أُدرج في ميزانية العام المالي الحالي.

تداعيات سياسية قبل الانتخابات

تزيد هذه الفضيحة الضغوط السياسية على الرئيس تينوبو (74 عاماً) مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في يناير/كانون الثاني المقبل. وتعيد القضية ملف الفساد المستشري في أكبر اقتصادات أفريقيا إلى الواجهة، في وقت يتساءل فيه منتقدون كيف وجدت وكالة لا وجود لها طريقها إلى الميزانية الوطنية أصلاً.

ودعا نائب الرئيس السابق أتيكو أبو بكر، المرشح لمنافسة تينوبو في الانتخابات المقبلة، إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم قادة المجتمع المدني وأحزاب المعارضة ونقابة المحامين النيجيريين. وقال المتحدث باسمه فرانك شعيبو: "يستحق النيجيريون الحقيقة كاملة، لا بيانات صحفية معدة بعناية. نطالب بتحقيق مستقل حقاً يتبع الأدلة أينما قادت. لا بقرة مقدسة، ولا حماية سياسية، ولا عدالة انتقائية".

دروس للحوكمة في ليبيا وأفريقيا

تسلط هذه القضية الضوء على ثغرات خطيرة في الإجراءات الحكومية والضوابط المؤسسية، وتثير أسئلة ملحة حول كيفية تمكن كيانات احتيالية من اختراق عمليات إعداد الميزانية الوطنية. ووجه الرئيس تينوبو التحقيق لتحديد مواطن الضعف في الإجراءات الحكومية التي جرى استغلالها والتوصية بتدابير فورية لمنع تكرار مثل هذه التجاوزات.

بالنسبة لليبيا وغيرها من الاقتصادات النامية، تشكل هذه الفضيحة تذكيراً صارخاً بأهمية الرقابة المؤسسية القوية وآليات تخصيص الميزانية الشفافة. ففي بلدان تعاني من هشاشة المؤسسات، تبقى حماية المال العام مسؤولية لا تقبل التهاون.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد