أزمات متراكمة تعيق القضاء على الحمى القلاعية في ليبيا وطبيب بيطري يحذر

نحو 70% من الثروة الحيوانية فقدت.. والمؤسسات المجزأة تفشل في احتواء الوباء

يواجه قطاع الصحة الحيوانية في ليبيا واحدة من أسوأ الأزمات منذ سنوات، حيث يدمر مرض الحمى القلاعية الثروة الحيوانية في جميع أنحاء البلاد. ويحذر الدكتور عبد الحميد الشريف، مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بالمركز الوطني للصحة الحيوانية بغرب ليبيا، من أن الأزمات البنيوية المتراكمة تعيق أي طريق نحو الاستئصال.

وقال الشريف في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» إن القضاء على الحمى القلاعية يتطلب أكثر من مجرد تدخلات بيطرية. وأضاف: «الأمر يستلزم معالجة الأسباب الجذرية عبر استعادة قدرات مؤسسات الدولة، وضمان انتظام برامج التحصين، وتشديد الرقابة على واردات الماشية».

مرض خارج السيطرة

الحمى القلاعية عدوى فيروسية شديدة العدوى تصيب الأبقار والأغنام والماعز. ورغم أنها غالباً غير مميتة للحيوانات البالغة، إلا أنها قد تكون قاتلة للماشية الصغيرة. سُجل أول ظهور للوباء في شرق ليبيا في مارس 2026 قبل أن ينتشر غرباً ليصل إلى مصراتة.

رسم تحقيق أجرته وكالة فرانس برس (AFP) صورة قاتمة. في مصراتة، على بعد 200 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس، قضى المرض على أعداد هائلة من الحيوانات. وقال المزارع نجم الدين تنتون (27 عاماً) للوكالة إنه فقد 300 بقرة من أصل 742 يملكها. وأضاف: «هذا المرض دمّر مصدر رزقنا. كل يوم نجد بقعة راقدة، ولن يمضي وقت طويل قبل أن تنفق».

ووصف سالم البدري (45 عاماً)، مدير مكتب الصحة الحيوانية في مصراتة، الوضع بالكارثي. وقال لفرانس برس: «نحن نتجه نحو كارثة. معظم الأبقار في مصراتة مصابة الآن، وليس أمامنا خيار سوى ذبحها».

تداعيات اقتصادية متصاعدة

قبل تفشي المرض، كانت مصراتة تنتج نحو 70 ألف لتر من الحليب يومياً. وانخفض هذا الرقم إلى 20 ألف لتر فقط يومياً، وفقاً للبدري. وأدى انهيار إنتاج الألبان إلى ارتفاع أسعار اللحوم ومنتجات الألبان في الأسواق المحلية.

وانخفض إنتاج تنتون اليومي من الحليب من 15 ألف لتر إلى 3500 لتر في أفضل أيامه. ووصف الوضع بـ«الكارثة الاقتصادية»، ودعا الحكومة إلى توفير اللقاحات وتعويض المزارعين، قائلاً: «المشروع أصبح مديوناً وكل شيء يتجه نحو الخسارة».

كما طالت الأزمة صناعة الجلود الليبية، حيث أشار البدري إلى أن مرض الجلد العقدي جعل الدول المستوردة تتردد في شراء الجلود من ليبيا.

جذور الأزمة: التجزئة والتهريب وانتحال الصفة

وحدد الطبيب البيطري أمجد العوكلي، في تصريحات لوكالة الأنباء الليبية (وال)، تحديات متشابكة: تراجع حملات التحصين، الأدوية البيطرية المهربة والمغشوشة، وانتحال دخلاء لصفة الطبيب البيطري. وحذر من أن المضادات الحيوية المزيفة تسرّع مقاومة الميكروبات، مما قد ينتج سلالات أكثر خطورة.

وتعزو منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) هذه الأمراض إلى الاستيراد غير القانوني للحيوانات الذي يتجاوز الضوابط البيطرية. وأدى الانقسام السياسي المزمن في ليبيا — مع حكومات متنافسة في الشرق والغرب منذ 2011 — إلى شل الاستجابة المؤسسية. كما أن التباطؤ الأخير في توزيع الميزانية من قبل المصرف المركزي بسبب الأزمة السياسية وتوقف صادرات النفط زاد من تأخير شراء اللقاحات.

المربون يتحملون العبء وحدهم

ولخّص علي غباق (40 عاماً)، وهو مربي مواشي، حالة اليأس، قائلاً لفرانس برس: «لا أحد يريد الاستمرار في هذا القطاع بعد الآن. المخاطر أصبحت كبيرة جداً ولا نعرف إن كنا سنتغلب على هذه الأزمة».

وانتقد المزارعون السلطات بسبب بطء جهود الوقاية. أدى التأخير في صرف الأموال الحكومية إلى تباطؤ تسليم اللقاحات إلى الإدارات البيطرية. وقال البدري متأسفاً: «لو تم تسليم اللقاحات في نوفمبر الماضي، لما كنا هنا»، داعياً إلى توفير إمدادات سنوية من اللقاحات للمزارعين.

وبدعم من منظمة الأغذية والزراعة، أطلقت السلطات في شرق ليبيا وغربها حملات تطعيم. لكن التجزئة الإدارية والمواجهة السياسية المستمرة لا تزالان تقوّضان أي استراتيجية وطنية موحدة لمكافحة المرض.

وشدد الدكتور الشريف على أن القضاء على الحمى القلاعية في ليبيا ليس مجرد مشكلة بيطرية — بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات الليبية على العمل بكفاءة لحماية الناس والقطاعات التي تخدمها.

— ليبيا برس / مكتب الصحة