الشلوي: الغاز الطبيعي.. الرهان الاستراتيجي الذي قد يعيد رسم مستقبل الاقتصاد الليبي

احتياطيات الغاز الليبية والقرب من الأسواق الأوروبية والبنية التحتية الحالية تضع البلاد في موقع محوري بقطاع الطاقة

وضع الخبير النفطي الليبي عبد المنصف الشلوي رؤية استراتيجية شاملة لتطوير الغاز الطبيعي، معتبرًا أن ليبيا تمتلك فرصة تاريخية لتصبح منتجًا رائدًا في جنوب البحر الأبيض المتوسط. وفي تحليل نشرته قناة تبادل، أكد الشلوي أن الغاز الطبيعي أصبح أحد ركائز الأمن الاقتصادي والتنمية الصناعية والنفوذ الجيوسياسي، متجاوزًا كونه مجرد مصدر للطاقة.

ورشة عمل تعكس توجهًا استراتيجيًا

أوضح الشلوي أن النسخة الثانية من ورشة عمل استراتيجية تطوير مشاريع الغاز الطبيعي في ليبيا تمثل دفعة متعمدة لإعادة وضع البلاد على خريطة الطاقة الإقليمية والدولية. وقد أكدت أزمة الطاقة في أوروبا أن الغاز الطبيعي سيبقى الوقود الانتقالي الأكثر أهمية لعقدين قادمين على الأقل، مما يجعل الدول التي تمتلك احتياطيات وبنية تحتية مؤهلة محط اهتمام الأسواق والمستثمرين العالميين.

الميزة التنافسية لليبيا: الاحتياطيات والموقع والبنية التحتية

تجمع ليبيا بين احتياطيات غازية مؤكدة كبيرة، وقربها من الأسواق الأوروبية، وخط أنابيب غرين ستريم الرابط المباشر تحت سطح البحر مع إيطاليا. وتضيف عقود من الخبرة التشغيلية والشراكات مع كبرى شركات النفط العالمية مزيدًا من القوة لهذه المكانة. وقد أكدت الاكتشافات البحرية الأخيرة في حقول بحر السلام الجنوبية، على بعد 85 كيلومترًا قبالة الساحل الشمالي الغربي وفي عمق مائي يبلغ حوالي 650 قدمًا، وجود طبقات غازية منتجة يمكن أن تعزز الاحتياطيات بشكل كبير.

الغاز كمحرك للصناعة المحلية

وأكد الشلوي أن قيمة الغاز تتجاوز الصادرات، فهو يغذي محطات الكهرباء الحديثة ويعمل مادة خام لصناعات البتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب والإسمنت والزجاج. وكل وحدة غاز تُستثمر محليًا تحقق قيمة اقتصادية مضافة أكبر من تصديرها كمادة خام، مما يخلق فرص عمل ويحفز الاستثمار ويزيد مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي. كما أن توسيع مشاريع الغاز يقلص الاعتماد على الوقود السائل في توليد الكهرباء، ويخفض التكاليف، ويحد من استيراد المشتقات النفطية، ويحسن كفاءة استغلال الموارد.

أمن الطاقة وهدف إنهاء حرق الغاز

أشار الشلوي إلى أن استقرار إمدادات الغاز يعني استقرارًا في إنتاج الكهرباء وانقطاعات أقل ونموًا اقتصاديًا أقوى. وقال إن الاستثمار في الغاز هو استثمار في استقرار الدولة نفسها. ودعا مرارًا إلى الوصول إلى "صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030"، ليس فقط كالتزام دولي بل كمشروع وطني يعزز كفاءة الموارد ويواكب أفضل الممارسات العالمية.

بيئة الاستثمار المطلوبة للنجاح

يتطلب تطوير قطاع الغاز أكثر من مجرد الاحتياطيات، فهو يحتاج إلى تمويل وتكنولوجيا وبنية تحتية واستقرار تشريعي وحوكمة، ومناخ استثماري قادر على جذب رؤوس الأموال ونقل المعرفة. ويعد التعاون المستمر مع الشركات العالمية أمرًا حيويًا لتسريع المشاريع وبناء الكفاءات الوطنية. ومن منظور استراتيجي أوسع، يكتسب مصدرو الغاز الموثوقون أهمية متزايدة في معادلات أمن الطاقة، وخصوصًا في منطقة البحر المتوسط التي أصبحت ساحة رئيسية للمنافسة والتعاون في قطاع الغاز.

فرصة تاريخية لليبيا

وخلص الشلوي إلى القول: "تمتلك ليبيا اليوم فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كأحد أهم منتجي الغاز في جنوب المتوسط". وأكد أن النجاح لن يُقاس بزيادة الإنتاج فحسب، بل بالقدرة على تحويل ثروة الغاز إلى قيمة اقتصادية متنوعة، وبناء صناعات جديدة، وتحقيق أمن الطاقة، وتعزيز الاستدامة، ورفع مساهمة القطاع في التنمية الشاملة.

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح أساسًا للأمن الاقتصادي ومحركًا للتنمية الصناعية وجسرًا يربط الموارد الطبيعية الليبية بطموح بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة في عالم تتغير فيه موازين الطاقة بوتيرة متسارعة.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد