زيادة عائدات النفط لن تحقق تعافياً اقتصادياً في ليبيا دون إصلاحات هيكلية شاملة

حذر تقرير حديث صادر عن "المجلس الأطلسي" اليوم من أن التعافي الاقتصادي في ليبيا لا يمكن تحقيقه عبر زيادة إنتاج النفط وحدها. وأكد التقرير الصادر عن مركز الأبحاث الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، أن ارتفاع الإيرادات النفطية لن يترجم إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة ما لم يتم معالجة الخلل في إدارة الإنفاق العام والنزيف المالي الناتج عن سوء الإدارة.

يأتي هذا التحذير في وقت استقرت فيه معدلات الإنتاج الليبي حول 1.2 مليون برميل يومياً خلال الأسابيع الأخيرة، مع مساع حثيثة من المؤسسة الوطنية للنفط لرفع القدرات الإنتاجية. ومع ذلك، شدد المجلس الأطلسي على أن هذه العوائد الإضافية ستظل عرضة للضياع في دهاليز الرواتب المتضخمة في القطاع العام والدعم الحكومي، بدلاً من أن تصل إلى المواطن الليبي.

أبرز نتائج تقرير المجلس الأطلسي حول الاقتصاد الليبي

سلط التقرير الضوء على نقاط ضعف هيكلية تمنع تحويل الثروة النفطية إلى رفاه اجتماعي، مشيراً إلى أن توزيع الموارد يتم عبر آليات تفتقر للشفافية والرقابة البرلمانية الفعالة. وتضمنت النتائج ما يلي:

  • تستهلك فاتورة الأجور في القطاع العام أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مما يقلص المساحة المتاحة للاستثمار في البنية التحتية.
  • تضاعفت التكاليف الإدارية نتيجة وجود مؤسسات حكومية متكررة وموازية بين الشرق والغرب.
  • تستنزف إعانات الوقود والسلع الغذائية نحو 8 مليارات دولار سنوياً من الخزانة العامة دون توجيه حقيقي للفئات الأكثر احتياجاً.
  • استمرار الضغط على احتياطيات العملة الأجنبية لدى مصرف ليبيا المركزي رغم استقرار الإنتاج فوق مستوى مليون برميل يومياً.

تحدي الارتهان للنفط وتقلبات السوق العالمية

تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل. ومع ذلك، يظل الاقتصاد الليبي رهينة لهذا القطاع، حيث تشكل الصادرات النفطية حوالي 95% من إيرادات الدولة و70% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الاعتماد المفرط يجعل الدولة عرضة للصدمات الاقتصادية عند تذبذب أسعار الطاقة العالمية.

وأشار التقرير إلى أن الطفرة السعرية التي شهدها عام 2022 نتيجة التوترات الجيوسياسية في أوروبا لم تساهم في بناء استقرار اقتصادي مستدام، بل استخدمت العوائد لتغطية النفقات الجارية بدلاً من استثمارها في قطاعات حيوية مثل الزراعة، التصنيع، أو التكنولوجيا، وهي القطاعات الكفيلة بخلق فرص عمل للشباب الليبي.

رؤية الخبراء: الأزمة ليست في الكم بل في الإدارة

وفي تعليق على هذه المعطيات، أكد المحلل الاقتصادي الليبي جمال نبوس أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في حجم الإنتاج، بل في كيفية توزيع هذه الثروة. وقال نبوس: "المشكلة الجوهرية ليست في كمية النفط التي تنتجها ليبيا، بل في كيفية إدارة وتوزيع عوائدها. بدون ميزانية شفافة ومؤسسات موحدة وآليات محاسبة واضتة، فإن كل برميل إضافي يتم بيعه لن يفعل شيئاً سوى تغذية النظام المتهالك الحالي".

لماذا يمس هذا التقرير حياة المواطن الليبي؟

بالنسبة للمواطن العادي في طرابلس أو بنغازي أو أي مدينة أخرى، فإن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي واقع يومي مرير. فبينما تتدفق مليارات الدولارات من النفط، لا تزال المدن تعاني من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، وتدهور في الخدمات الصحية، وارتفاع في معدلات البطالة التي تتجاوز 50% في بعض المناطق بين فئة الشباب.

إن الفجوة المتزايدة بين ثروات البلاد الطبيعية ومستوى المعيشة تعكس فشلاً في الحوكمة. ورغم محاولات وزارة الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية للحد من الاستيراد غير الضروري لتخفيف الضغط المالي، إلا أن غياب ميزانية وطنية موحدة ومعتمدة من سلطة تشريعية شرعية يعيق أي محاولة حقيقية للإصلاح.

خارطة الطريق نحو الاستقرار المالي

خلص التقرير إلى أن مستقبل ليبيا لا يعتمد على استخراج المزيد من النفط، بل على بناء مؤسسات قادرة على إدارة الثروة الحالية بكفاءة. وقد دعت مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي مراراً إلى ضرورة توحيد المؤسسات المالية وإجراء مراجعات شاملة للإنفاق العام.

إن الفرصة المتاحة لليبيا الآن تكمن في استغلال استقرار الإنتاج الحالي للتفاوض على إصلاحات مؤسسية مدعومة دولياً. وبدون هذه الخطوات، سيظل الاقتصاد الليبي يدور في حلقة مفرغة، حيث تذهب الثروة لخدمة شبكات المصالح الضيقة، بينما يتحمل الشعب العادي تبعات سوء الإدارة والتقلبات الاقتصادية.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد