الذكاء الاصطناعي في ليبيا: استراتيجية 2026–2030 تنهي عصر البيروقراطية والخدمات الورقية

طرابلس، ليبيا — 24 يونيو 2026. دخلت ليبيا رسمياً مرحلة تحول رقمي غير مسبوقة تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. أعلن رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة هذا الأسبوع عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة 2026–2030، في مبادرة تقنية هي الأطمح منذ عام 2011. تهدف هذه الخطة إلى القضاء التام على الطوابير البيروقراطية ورقمنة كافة الخدمات الحكومية، مما يضع ليبيا في موقع ريادي إقليمياً في تبني التقنيات الذكية خلال السنوات الخمس المقبلة.

فصل جديد في مسار التحول الرقمي الليبي

يُمثل هذا الإعلان تحولاً حاسماً في أسلوب تقديم الخدمات العامة لأكثر من سبعة ملايين مواطن ليبي. بموجب الإطار الجديد، لن يضطر المواطنون بعد اليوم إلى الانتظار لساعات طويلة أمام الدوائر الحكومية؛ إذ ستتولى المنصات الرقمية والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي معالجة كافة المعاملات، بدءاً من طلبات التوظيف وصولاً إلى السجل المدني. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الخدمة العامة تطبيق "وظيفتي" المصمم بالكامل ليحل محل الإجراءات الورقية التقليدية ويُيسّر عمليات البحث عن عمل في القطاعين العام والخاص.

تُشير البيانات الحكومية الأخيرة إلى أن هذا التحول الرقمي قد يُخفض متوسط أوقات معالجة الخدمات بنسبة تصل إلى 70 بالمائة خلال الأشهر الثمانية عشرة الأولى من التنفيذ. كما تتضمن الاستراتيجية برامج مكثفة لتدريب أكثر من خمسة آلاف موظف حكومي على أدوات الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الضخمة بحلول عام 2027، لضمان انتقال سلس من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الذكية.

الركائز الأساسية للاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي

  • الرقمنة الشاملة: تحويل 146 مركز خدمة حكومية في 22 مقاطعة إدارية إلى مراكز رقمية بالكامل بحلول عام 2028.
  • تفعيل منصة "وظيفتي": ربط مباشر بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل لإلغاء المعاملات الورقية نهائياً.
  • بوابات خدمة المواطن الذكية: معالجة الطلبات الحكومية في أقل من 24 ساعة، مقارنة بالمتوسط الحالي الذي يتراوح بين 14 و30 يوماً.
  • البنية التحتية للبيانات: إنشاء سحابة حكومية مركزية مؤمنة ومستضافة بالكامل داخل الأراضي الليبية.
  • بناء القدرات البشرية: تأهيل خمسة آلاف موظف في القطاع العام في المهارات الرقمية المتقدمة بحلول عام 2027.
  • الأمن السيبراني: تطبيق إطار حماية متوافق مع المعايير الدولية لتأمين بيانات المواطنين والأنظمة السيادية.

الدبيبة: "استعادة كرامة المواطن الليبي"

صرّح رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة خلال حفل الإطلاق الرسمي قائلاً: "هذه الاستراتيجية ليست مجرد تحديث تقني، بل هي استعادة للكرامة لكل مواطن ليبي أمضى سنوات ينتظر في الطوابير للحصول على خدمات أساسية. نحن نبني حكومة تخدم الشعب، لا تُرهقه." وأكد الدبيبة أن هذه الاستراتيجية ستُسهم بنسبة تقدر بـ 3.5 بالمائة في الناتج المحلي الإجمالي GDP لليبيا بحلول عام 2030، مما يُسهم في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد الكلي على إيرادات النفط.

من جهته، أضاف الدكتور أحمد المسماري، وزير الخدمة العامة الليبي: "من المتوقع أن يخدم تطبيق وظيفتي وحده أكثر من أربعمائة ألف باحث عن عمل في عامه الأول. نحن نزيل كل حاجز غير ضروري بين المواطنين والخدمات التي يستحقونها."

تأثير التحول الرقمي على المواطن والشباب

بالنسبة للمواطنين في مدن مثل بنغازي ومصراتة وسبها، ينهي هذا التحول معاناة السفر المكلف والمستنزف للوقت للوصول إلى مكاتب العاصمة. وتُعالج الاستراتيجية هذه الفجوات عبر إيصال الخدمات إلى الهواتف الذكية، مما يمنح المواطن القدرة على إنجاز معاملاته من منزله.

ويُعد الشباب الليبيون، الذين يُمثلون أكثر من 60 بالمائة من السكان، الفئة الأكثر استفادة. فمن المتوقع أن يوفر عنصر التدريب الرقمي آلاف فرص العمل الجديدة في قطاع التكنولوجيا، مما يفتح مسارات مهنية لجيل يتوق للمشاركة في إعادة إعمار ليبيا وتحديث مؤسساتها وفق المعايير العالمية.

التموضع الإقليمي والتحديات اللوجستية

تضع هذه الخطوة ليبيا في مصاف دول الجوار مثل تونس والمغرب، اللتين أطلقتا برامج تحول رقمي في عامي 2024 و2025. غير أن النهج الليبي يتميز بدمج الذكاء الاصطناعي منذ البداية بدلاً من التدرج التقليدي. وقد أعرب مراقبون من UN عن تفاؤل حذر، مُشيرين إلى أن النجاح يعتمد على استقرار الاتصال بالإنترنت في المناطق الجنوبية الشاسعة.

وبحسب أحدث بيانات هيئة الاتصالات، تبلغ نسبة انتشار الإنترنت في ليبيا حالياً حوالي 72 بالمائة. وتتضمن الاستراتيجية بنوداً لتوسيع نطاق التغطية لتشمل المناطق النائية، لضمان وصول الخدمات الرقمية إلى جميع الليبيين دون تمييز جغرافي.

نظرة مستقبلية: ليبيا الرقمية 2030

الطريق طموح لكنه قابل للتحقيق بفضل الجداول الزمنية الواضحة والأهداف القابلة للقياس. تُمثل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2026–2030 أكثر خطط الحوكمة الرقمية دقة في تاريخ البلاد. وسيتطلب النجاح التزاماً سياسياً مستداماً واستثماراً مستمراً في رأس المال البشري. وللملايين الذين انتظروا طويلاً، يُمثل الوعد بمستقبل بلا طوابير رؤية قد تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة لأجيال قادمة.

— ليبيا برس / مكتب