ثمانية انقسامات وزارية تتصاعد بينما رئيس الوزراء البريطاني يسارع لإنجاز أكبر إصلاح للهجرة منذ عقود

تعيش حكومة كير ستارمر صراعاً داخلياً متصاعداً حول مستقبل سياسة الهجرة البريطانية، حيث برزت ثماني نقاط خلاف على الأقل بين وزراء الحكومة بشأن اعتماد النموذج الدنماركي القائم على التشديد أم الكندي القائم على الرعاية المجتمعية. والنتيجة ستحدد ملامح تعامل المملكة المتحدة مع الهجرة غير النظامية لسنوات قادمة.

وذكر مراسل قناة الجزيرة في لندن أسدالله الصاوي أن الحكومة البريطانية تتأرجح بين نهجين مختلفين جوهرياً. الأول يستلهم الإطار الدنماركي الصارم الذي يفرض قيوداً مشددة على طالبي اللجوء ويُسرّع إجراءات الترحيل، بينما يعتمد الثاني على النموذج الكندي الذي يُشرك مؤسسات المجتمع المدني في رعاية اللاجئين وتوطينهم عبر برامج مجتمعية.

النموذج الدنماركي: ما يعنيه على أرض الواقع

يُوصف نظام الهجرة الدنماركي بأنه من الأكثر صرامة في أوروبا، وقد شهد تحولاً جذرياً منذ عام 2019. فقد أقرّ البرلمان الدنماركي تشريعات تتيح للسلطات معالجة طلبات اللجوء في مرافق بحرية خارج الأراضي الدنماركية، مع تقليص المزايا المقدمة لطالبي اللجوء إلى الحد الأدنى المسموح به بموجب القانون الدولي، وأعلنت الحكومة هدفها المتمثل في الوصول إلى صفر طالبي لجوء تلقائيين.

ودرس مسؤولو وزارة الداخلية البريطانية الإطار الدنماركي بشكل معمّق منذ مطلع عام 2025. وتتضمن العناصر قيد النقاش الاحتجاز الإلزامي عند الوصول، وتخفيض الدعم المالي لمقدمي الطلبات، وتسريع البتّ في الحالات التي يتضح عدم جوهرها خلال أربعة عشر يوماً فقط. وكان وزير الخارجية الدنماركي قد صرّح سابقاً بأن هذا النموذج يُثبت أن السيادة والرحمة يمكن أن يتعايشا من خلال قواعد واضحة.

البديل الكندي: إعادة التوطين بقيادة المجتمع

يعمل برنامج الرعاية الخاصة باللاجئين في كندا منذ عام 1979، وقد أعاد توطين أكثر من 350 ألف لاجئ من خلال مجموعات مجتمعية ومنظمات دينية وجمعيات مدنية. وبموجب هذا النموذج، تلتزم مجموعات الرعاية بتقديم الدعم المالي والنفسي للاجئين خلال عامهم الأول، بما يشمل السكن والمساعدة في الحصول على عمل والاندماج الاجتماعي.

ويرى المؤيدون داخل حكومة ستارمر أن هذا النهج سيُخفّض الإنفاق الحكومي مع تعزيز الاندماج المجتمعي الحقيقي. في حين يرى المنتقدون أن النموذج الكندي ينجح لأن كندا تستقبل أعداداً مضبوطة من اللاجئين عبر القنوات الرسمية، وليس آلافاً يعبرون القناة الإنجليزية على قوارب صغيرة.

حقائق رئيسية: الأرقام وراء الجدل

  • عبر أكثر من 35 ألف مهاجر غير نظامي القناة الإنجليزية على قوارب صغيرة خلال عام 2025، بزيادة 12 بالمائة عن العام السابق
  • خفضت الدنمارك طلبات اللجوء بنسبة 82 بالمائة بين عامي 2019 و2024 من خلال سياساتها التقييدية
  • بلغ تراكم قضايا اللجوء المعلقة في المملكة المتحدة 138 ألف قضية حتى مارس 2026
  • تكلف برنامج الرعاية الخاصة في كندا نحو 40 بالمائة أقل لكل لاجئ مقارنة بإعادة التوطين التي تديرها الحكومة
  • اتفاقية ترحيل المهاجرين إلى رواندا التي ألغاها ستارمر في يوليو 2024 كلّفت دافعي الضرائب البريطانيين 700 مليون جنيه إسترليني دون أن تقلع رحلة واحدة

أصوات إنسانية: مجتمعات في الخطوط الأمامية

قال محمد الراشدي، وهو ناشط مجتمعي من أصل ليبي في مانشستر يعمل مع برامج إعادة توطين اللاجئين منذ 2018، في تصريح لليبيا برس: يستحق الفارون من الحرب والاضطهاد الكرامة لا العقاب. لكن المجتمعات تحتاج أيضاً إلى موارد ودعم. لا ينجح أي من الطرفين المتطرفين — الردع المطلق أو الدخول غير المحدود — دون بنية تحتية مناسبة وراءه.

وأضاف الراشدي، الذي وصل إلى المملكة المتحدة كطالب من بنغازي عام 2010، أن الجاليات الليبية في بريطانيا تتابع نقاش السياسة عن كثب: كثير من الليبيين هنا جاءوا عبر القنوات القانونية وبنوا حياتهم. يريدون نظاماً عادلاً وعملياً في آن واحد.

لماذا يهم هذا ليبيا

تترتب على نتيجة الجدل البريطاني حول الهجرة تداعيات مباشرة على ليبيا التي تُعدّ بلد عبور رئيسي للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا. وأي تحوّل نحو تشديد إنفاذ الحدود البريطانية قد يزيد الضغوط على السلطات الليبية لإدارة تدفّقات الهجرة وتوسيع قدرة الاحتجاز على ساحل البحر المتوسط.

وتُظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن ليبيا تستضيف حالياً نحو 58 ألف لاجئ ومهاجر مسجل، رغم أن الأرقام الفعلية يُعتقد أنها أعلى بكثير. وقد تؤدي سياسة بريطانية على النمط الدنماركي إلى إعادة توجيه مسارات الهجرة وزيادة الاحتياجات الإنسانية في مراكز الاستقبال الليبية التي تعاني أصلاً من ضغوط هائلة.

وبالنسبة لنحو 12 ألف مواطن ليبي يقيمون حالياً في المملكة المتحدة، فإن التغييرات المحتملة في قواعد لمّ الشمل وإجراءات اللجوء قد تؤثر مباشرة على قدرتهم على كفالة أقاربهم أو الحفاظ على وضعهم القانوني.

ما الذي سيحدث لاحقاً

من المتوقع أن يعلن رئيس الوزراء كير ستارمر عن ورقة بيضاء شاملة حول الهجرة قبل العطلة الصيفية. وتشير مصادر متعددة داخل حزب العمال الحاكم إلى أن السياسة النهائية المرجحة ستجمع بين عناصر من النموذجين معاً — ضوابط حدودية أكثر صرامة مستوحاة من الدنمارك إلى جانب مسارات موسّعة للرعاية المجتمعية مستلهمة من كندا.

وسيمثّل هذا الإعلان أهم إعادة هيكلة لسياسة الهجرة البريطانية منذ نظام النقاط الذي أُقرّ بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يناير 2021. وبالنسبة ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا الأوسع، ستتبلور التداعيات على أنماط الهجرة والعلاقات الدبلوماسية والالتزامات الإنسانية على مدى الأشهر والسنوات المقبلة.

-- ليبيا برس / مكتب السياسة