بن شرادة: ضبط الإنفاق العام وتنسيق السياسات المالية مفتاح حل أزمة سعر الصرف في ليبيا

عضو مجلس الدولة الاستشاري يؤكد أن أزمة سعر الصرف تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة وليس مجرد تعديلات في سياسات المصرف المركزي

أكد عضو مجلس الدولة الاستشاري، سعد بن شرادة، أن أزمة سعر الصرف في ليبيا لن تُحل بالسياسة النقدية وحدها، بل يتطلب الأمر معالجة الاختلالات المالية الهيكلية التي تعاني منها البلاد. وشدد بن شرادة، في تصريح له السبت 26 يوليو 2026، على أن ضبط الإنفاق العام، وتنويع مصادر الإيرادات، وتعزيز التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، هي المتطلبات الأساسية لاستقرار الدينار الليبي وتحقيق التوازن الاقتصادي المنشود.

الجذور الهيكلية لأزمة سعر الصرف

وأوضح بن شرادة، عقب لقائه بعدد من المختصين في الشأن الاقتصادي، أنه رغم تباين وجهات النظر بين المشاركين، إلا أن الجميع أجمع على أن جوهر أزمة سعر الصرف لا يقع داخل مصرف ليبيا المركزي وحده. بل إن المشكلة الجوهرية تكمن في التوسع الهائل للإنفاق الحكومي مقابل اعتماد البلاد شبه الكلي على عائدات النفط كمصدر رئيسي للدخل.

وتعتمد ليبيا على صادرات النفط والغاز في توفير أكثر من 90% من إيراداتها العامة منذ عقود، مما يترك الاقتصاد عرضة بشكل خطير لتقلبات أسعار النفط وتوقف الإنتاج. وعندما تنخفض عائدات النفط، تجد الحكومة نفسها عاجزة عن تمويل ميزانيتها الموسعة، مما يولد ضغوطًا هبوطية على الدينار عبر زيادة طباعة النقود وتصاعد المضاربة في السوق الموازية.

غياب قانون الميزانية الموحدة منذ 2014

وسلط بن شرادة الضوء على إخفاق مؤسسي خطير يتمثل في غياب قانون موحد للميزانية في ليبيا منذ عام 2014. وأوضح أن هذا الغياب المطول للإطار المالي القانوني أدى إلى خروج الإنفاق العام عن أي هيكل مالي واضح وموحد، مما فتح الباب أمام الإنفاق غير المنسق بين الحكومات والمؤسسات المتنافسة في البلاد.

وأضاف أن غياب ميزانية واحدة ملزمة قانونياً أدى إلى ظهور قنوات إنفاق موازية، حيث تلتزم كيانات حكومية مختلفة بنفقات دون إشراف مركزي، مما وسّع المعروض النقدي بما يتجاوز قدرة الاقتصاد الحقيقي على الاستيعاب، وأدى إلى تفاقم التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطن الليبي.

التنسيق بين السياسة المالية والنقدية شرط أساسي

وبحسب بن شرادة، فإن مصرف ليبيا المركزي مكلف بتصميم وتنفيذ السياسة النقدية، لكن نجاح هذه المهمة يتوقف بشكل كلي على وجود سياسة مالية واضحة وقانون ميزانية يمكن للدولة الاعتماد عليه. وأكد أن الأدوات النقدية وحدها — بما في ذلك مزادات النقد الأجنبي ومتطلبات الاحتياطي — لا يمكنها تحقيق استقرار العملة ما لم يكن الإنفاق الحكومي مضبوطاً ضمن إطار مالي سليم.

وشدد على أن التنسيق الفعال بين السلطات المالية والمصرف المركزي يتطلب تبادلاً شفافاً للبيانات، وتوافقاً في أهداف السياسة، ورؤية تنفيذية موحدة. وأقر بأن هذا يشكل تحدياً مستمراً في المشهد السياسي الليبي المجزأ، حيث تخضع المؤسسات المختلفة لمراكز سلطة سياسية متباينة.

تنويع مصادر الإيرادات: ما بعد النفط

دعا بن شرادة إلى تنويع مصادر الإيرادات الوطنية لتقليل الاعتماد على النفط، مشيراً إلى أن ليبيا تمتلك إمكانات كبيرة في قطاعات السياحة والزراعة والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية، لكنها جميعاً لا تزال متخلفة بسبب سنوات عدم الاستقرار ونقص الاستثمار. وأكد أن تنويع الإيرادات لن يحمي الاقتصاد من الصدمات النفطية فحسب، بل سيخفف أيضاً الضغوط المالية التي تؤدي إلى عجز الموازنة وانخفاض قيمة العملة الوطنية.

وقال بن شرادة إن أي خطة إصلاح حقيقية لا بد أن تتضمن خارطة طريق واضحة لتطوير مصادر دخل غير نفطية، إلى جانب تدابير صارمة لضبط الإنفاق وتعزيز الشفافية المالية.

تأثير الأزمة على حياة الليبيين اليومية

لأزمة سعر الصرف تأثير مباشر على حياة المواطن الليبي اليومية. فمع فقدان الدينار لقيمته في السوق الموازية، ارتفعت تكلفة السلع المستوردة — من المواد الغذائية الأساسية إلى الأدوية ومواد البناء — بشكل حاد. وأدى التضخم إلى تراجع الأجور الحقيقية وتآكل المدخرات، في حين تعاني الشركات من حالة من عدم اليقين بشأن توفر العملة وتسعيرها.

ويشير تحليل بن شرادة إلى أن هذه الصعوبات الاقتصادية ستستمر في غياب الإصلاح المالي الهيكلي، بغض النظر عمن يدير المصرف المركزي أو ما هي الأدوات النقدية المستخدمة. الرسالة واضحة: ليبيا بحاجة ماسة إلى استراتيجية إصلاح اقتصادي شاملة تبدأ بالانضباط المالي والتنسيق المؤسسي، وتضع حداً لثقافة الاعتماد الأحادي على عائدات النفط.

— ليبيا برس / مكتب السياسة