بولس: التنفيذ الكامل للميزانية الموحدة في ليبيا أمر بالغ الأهمية لاستقرار الاقتصاد

مستشار أمريكي كبير يحذّر: حماية المؤسسات المستقلة مفتاح المستقبل المالي للبلاد

أكد كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أن التنفيذ الكامل لأول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عامًا يمثل خطوة "بالغة الأهمية" لاستقرار البلاد، في وقت تمضي فيه العاصمة طرابلس قدماً بجهود ضبط الأوضاع المالية بعد أكثر من عقد من الانقسام المؤسسي.

إنجاز تاريخي بعد 13 عاماً من الانقسام المالي

أوضح بولس أن الميزانية الموحدة تمثل انفراجة حاسمة للنظام المالي الليبي الذي عانى من التشرذم طوال السنوات الماضية. فمنذ عام 2013، عملت ليبيا بدون ميزانية وطنية موحدة، فيما احتفظت الحكومات المتنافسة في طرابلس والمنطقة الشرقية بعمليات مالية منفصلة. وتُعد ميزانية 2026 الأولى من نوعها التي تعتمدها البلاد كخطة إنفاق وطنية واحدة منذ ما قبل النزاع الذي اندلع عام 2014.

وكان البرلمان الليبي قد أقر الميزانية الموحدة في وقت سابق من هذا العام، بعد أشهر من المفاوضات المكثفة بين حكومة الوحدة الوطنية والمؤسسات المتمركزة في الشرق، بدعم دولي واسع شمل الولايات المتحدة وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والاتحاد الأوروبي.

الحفاظ على استقلالية المؤسسات السيادية

وفي تغريدة نشرتها السفارة الأمريكية لدى ليبيا عبر حسابها على منصة "إكس"، شدد بولس على ضرورة الحفاظ على استقلالية ونزاهة ثلاث مؤسسات اقتصادية سيادية رئيسية، هي: مصرف ليبيا المركزي، وديوان المحاسبة، والمؤسسة الوطنية للنفط.

وقال بولس: "تلعب هذه المؤسسات التكنوقراطية دوراً محورياً في الحفاظ على ارتباط ليبيا بالنظام المالي الدولي، وتوليد الإيرادات التي يعتمد عليها ازدهار جميع الليبيين، إلى جانب تعزيز مبادئ المساءلة والشفافية".

ويعمل مصرف ليبيا المركزي، برئاسة المحافظ ناجي عيسى، على توحيد السياسة النقدية وتحقيق استقرار الدينار الليبي الذي شهد تقلبات وسط حالة عدم اليقين السياسي. فيما تواصل المؤسسة الوطنية للنفط بقيادة مسعود سليمان إدارة قطاع النفط — المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد — بينما يؤدي ديوان المحاسبة برئاسة خالد شكشك دوره كهيئة الرقابة المالية العليا.

مشاورات مثمرة مع المسؤولين الليبيين

وكشف بولس عن إجرائه مشاورات وصفت بالمثمرة مع رؤساء المؤسسات الثلاث — عيسى وسليمان وشكشك — ركزت على تنفيذ الميزانية الموحدة وسبل ضمان تحقيق أهدافها. وأشار إلى أن هذه المناقشات تركزت على ضمان أن تخدم الميزانية الغرض المقصود منها، المتمثل في تحقيق الاستقرار المالي والتوزيع العادل للموارد في جميع المناطق الليبية.

وأكد بولس أن "الحفاظ على استقلالية ونزاهة مصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة والمؤسسة الوطنية للنفط أمر في غاية الأهمية". وتأتي تصريحاته لتؤكد الموقف الأمريكي الثابت بأن المؤسسات القوية والمستقلة تمثل ركيزة أساسية لتعافي ليبيا على المدى الطويل.

وتزامنت هذه المشاورات مع حملة دولية أوسع لتعزيز المكاسب في القطاع المالي الليبي، بعد سنوات من التفتت المؤسسي الذي مكّن الفساد والمضاربة على العملة وتراكم الهياكل المالية الموازية.

الاندماج في النظام المالي الدولي

شكّل الحفاظ على ارتباط ليبيا بالنظام المالي العالمي محوراً رئيسياً في رسالة بولس. فبعد سنوات من الانقطاع الجزئي عن الخدمات المصرفية الدولية بسبب الانقسامات المؤسسية وغياب الاستقرار التنظيمي، تُرسل الميزانية الموحدة إشارات واضحة إلى الأسواق الدولية بأن ليبيا تعود إلى مسار الإدارة المالية السليمة.

ووفقاً لمحللين اقتصاديين نقلت عنهم وكالة الأنباء الليبية (وال)، فإن التنفيذ الناجح للميزانية الموحدة قد يفتح الباب أمام استثمارات دولية جديدة، ويسهّل تمويل التجارة، ويحسّن التصنيف الائتماني لليبيا في الخارج. كما تضع الميزانية أطراً أكثر وضوحاً للإنفاق العام وتحصيل الضرائب وإدارة الديون.

المساءلة والشفافية في صلب الميزانية

ربط بولس الميزانية الموحدة بشكل مباشر بتعزيز الحوكمة. إذ يتضمن إطار الميزانية آليات رقابية معززة تهدف إلى ضمان إنفاق الأموال العامة بشفافية ووصولها إلى المستفيدين المستهدفين في جميع المناطق الليبية، بما في ذلك الجنوب حيث عانى الإنفاق على البنية التحتية من تقصير تاريخي.

وقال مصدر دبلوماسي مطلع على المشاورات: "توليد الإيرادات ليس سوى نصف المعادلة. النصف الآخر هو ضمان إدارة تلك الإيرادات بشفافية ووصولها إلى الشعب الليبي. وهذا ما يضمنه استقلال ديوان المحاسبة والمصرف المركزي".

ويواصل ديوان المحاسبة في عهد رئيسه خالد شكشك تنفيذ أجندة صارمة لمكافحة الفساد، من خلال نشر تقارير تدقيق منتظمة للإنفاق الحكومي وإحالة حالات سوء الإدارة المالية المشتبه بها إلى السلطات القضائية، في خطوات تهدف إلى تعزيز ثقة الليبيين في مؤسسات دولتهم.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد