الحكومة الرقمية تتصدر النقاش الليبي وسط دعوات متزايدة لتسريع الإصلاح الإداري

تصاعدت وتيرة التحول الرقمي في ليبيا خلال عام 2026، مع بروز ملف الحكومة الإلكترونية كأولوية محورية في أجندة الإصلاح الإداري بالبلاد.

من طرابلس إلى بنغازي، يضع المواطنون الليبيون ملف التحول الرقمي في صدارة المطالب الشعبية، مع تزايد الدعوات إلى تبسيط الخدمات الحكومية وتقليل البيروقراطية وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة. ويطالب المواطنون والخبراء على حد سواء بالإسراع في تطبيق أنظمة الحكومة الإلكترونية للانتقال من عقود من الإجراءات الورقية المتقادمة إلى منظومة رقمية متكاملة.

وقال الدكتور أحمد المهدي، الباحث في مجال الحوكمة بجامعة طرابلس: "لقد تحول الحديث حول الحكومة الرقمية من نقاش نظري إلى ضرورة ملحة. الليبيون يرون ما تحققه الخدمات الرقمية في دول المنطقة ويطالبون بنفس المستوى من الكفاءة في وطنهم."

الاستراتيجية الرقمية الوطنية تتبلور

وضعت حكومة الوحدة الوطنية الليبية الأسس لتحول رقمي شامل، عبر اعتماد الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2026-2030 في وقت سابق من هذا العام. وتحدد الاستراتيجية خارطة طريق طموحة لنقل الخدمات الحكومية إلى المنصات الرقمية، ورقمنة السجلات العامة، وإنشاء أنظمة رقمية مترابطة بين جميع الوزارات والهيئات الحكومية.

ويُعد تعيين وزير دولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي محطة فارقة في هذا المسار، مما يعكس إدراكاً متزايداً بأن حوكمة التكنولوجيا تتطلب قيادة متخصصة. وفي الوقت نفسه، تواصل الهيئة العامة للاتصالات والمعلوماتية التنسيق مع مشغلي الاتصالات الرئيسيين — بما في ذلك شركتي المدار الجديد وليبيانا — لتحديث البنية التحتية الرقمية اللازمة لخدمات الحكومة الإلكترونية على مستوى البلاد.

أنظمة الدفع الإلكتروني تحقق تقدماً ملموساً

يُعد اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني لتحصيل الرسوم الحكومية من أبرز مؤشرات التقدم في ملف التحول الرقمي. ففي مطلع عام 2026، أكد رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة اعتماد وسائل الدفع الرقمية كطريقة رسمية لتحصيل الرسوم والمستحقات الحكومية — وهي خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية والحد من مخاطر الفساد المالي.

ويلعب مصرف ليبيا المركزي دوراً محورياً في هذه الجهود، حيث يعمل المحافظ ناجي محمد عيسى بشكل وثيق مع وزارة المالية لتطوير أنظمة التحصيل الإلكتروني ضمن برامج أوسع لإصلاح المالية العامة وتحديث البنية التحتية المالية للدولة.

دعم دولي يسرّع وتيرة التحول

حظي التحول الرقمي في ليبيا بدعم دولي لافت. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي في فبراير 2026 برنامج "Invest4Libya" الذي يهدف إلى تعزيز إدارة المالية العامة وتحفيز الاستثمار الرقمي والأخضر. كما يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عبر مشروع الحوكمة التحويلية، الذي يركز على بناء مؤسسات عامة قادرة على تقديم خدمات رقمية فعّالة وشفافة.

ويُظهر نظام التأشيرات الإلكترونية — الذي تم عبره إصدار 6000 تأشيرة إلكترونية منذ إطلاق منصتي "وافد" و"التأشيرة الإلكترونية" — كيف يمكن للأنظمة الرقمية تبسيط الإجراءات الإدارية التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً في السابق.

تحديات على طريق التحول

رغم التقدم المحرز، يواجه التحول الرقمي في ليبيا عقبات كبيرة. يُمثل المشهد المؤسسي المجزّأ في البلاد تحدياً رئيسياً أمام تنفيذ أنظمة رقمية موحدة، فيما تظل فجوات البنية التحتية — خاصة في مجال الاتصال بالإنترنت في المناطق الجنوبية — عائقاً أمام الوصول الرقمي الشامل لكل الليبيين.

وبرزت المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني كأولوية قصوى، فمع انتقال المزيد من الخدمات الحكومية إلى الفضاء الرقمي، تزداد الحاجة إلى أطر قوية لحماية البيانات وأنظمة هوية رقمية آمنة. كما يتطلب رفع مستوى الثقافة الرقمية بين موظفي الخدمة المدنية والمواطنين استثمارات كبيرة، مع ضرورة توسيع برامج التدريب لتشمل جميع المستويات الإدارية.

ماذا تعني الحكومة الرقمية للمواطن الليبي؟

يَعِد التنفيذ الناجح للحكومة الإلكترونية بفوائد ملموسة للمواطن الليبي: تقليل أوقات الانتظار في المكاتب الحكومية، وشفافية في هيكل الرسوم، وإتاحة الوصول الإلكتروني إلى السجلات الرسمية، والحد من فرص الوسطاء الفاسدين. كما سيجني أصحاب الأعمال فوائد كبيرة عبر تبسيط إجراءات التراخيص والتخليص الجمركي الإلكتروني.

وتقوم مبادرة "ليبيا الذكية" ومختبر الابتكار الرقمي الليبي (LDIL) بتجربة حلول رقمية مبتكرة في المراكز الحضرية، مما يُظهر الإمكانات الكبيرة للإصلاح القائم على التكنولوجيا في تحسين جودة الخدمات العامة.

الحفاظ على الزخم: فرصة لا تُعوّض

يعكس الجدل الدائر حول الحكومة الرقمية في ليبيا طلباً مجتمعياً واسعاً نحو التحديث والشفافية والمساءلة. ورغم أن التحديات المؤسسية والفنية كبيرة، فإن تقاطع الإرادة السياسية مع الدعم الدولي والضغط الشعبي يخلق نافذة فرصة يجب اغتنامها.

واختتم الدكتور المهدي تعليقه قائلاً: "التحول الرقمي لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا — بل يتعلق بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. إذا تمكنت ليبيا من الحفاظ على الزخم الحالي، فقد تصبح الحكومة الإلكترونية واحدة من أهم قصص نجاح الإصلاح في تاريخ ليبيا الحديث."

— ليبيا برس / مكتب السياسة