من الاعتمادات إلى البطاقات.. كيف تمددت إمبراطورية المضاربة بالدولار في ليبيا؟

تطور سوق العملة الموازية في ليبيا من آلية صرف محدودة إلى شبكة واسعة من المضاربة بالدولار، حيث تتدفق مليارات الدولارات عبر قنوات غير رسمية كل شهر. وقد أطلق خبيران اقتصاديان بارزان تحذيرات بشأن استمرار المضاربة بالعملة الأجنبية واتساع نشاط السماسرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الدينار الليبي والأسواق المحلية.

البداية: الاعتمادات والحاويات الفارغة

يرجع الخبير الاقتصادي ناظم الطياري جذور الأزمة إلى الفترة بين نهاية عام 2016 وخلال عامي 2017 و2018، وهي الفترة التي وصفها بمرحلة جريمة الاعتمادات والحاويات الفارغة. خلال تلك الفترة، كانت المصارف تبيع الدولار بالسعر الرسمي الذي يقارب 1.40 دينار، بينما تجاوز سعره في السوق السوداء 10 دنانير — وهو فارق يتجاوز 600 بالمئة.

هذا الفارق الهائل خلق فرصة مراجعة غير مسبوقة. فقد حصل أفراد وشبكات ذات نفوذ على اعتمادات استيراد مقومة بالدولار وبطاقات مخصصة للأغراض الشخصية، ثم أعادوا بيع العملة في السوق الموازية لتحقيق أرباح ضخمة. ويقدر الطياري أن مليارات الدولارات كانت تخرج من ليبيا في شهر واحد فقط عبر هذه القنوات.

وقد انتشرت هذه الممارسة لدرجة أن السوق السوداء أصبحت تطلق على الدولار الأمريكي مجرد تسمية بضاعة — سلعة تُباع وتُشترى يومياً، وليست وسيلة صرف للاحتياجات المشروعة كالدراسة أو العلاج أو السياحة.

ثغرة بطاقات الأغراض الشخصية

بينما استقطبت اعتمادات الاستيراد اهتمام الرقابة لسنوات، ركز الخبير الاقتصادي مختار الجديد الانتباه على آلية أكثر حداثة: بطاقات الدولار المخصصة للأغراض الشخصية. هذه البطاقات المصممة لمنح المواطنين العاديين إمكانية الوصول إلى العملة الأجنبية للاستخدام الشخصي المشروع أصبحت الأداة الرئيسية للمضاربة.

ويوضح الجديد أن حاملي البطاقات الأصليين نادراً ما يحصلون على الدولارات بأنفسهم. بدلاً من ذلك، يقوم السماسرة بجمع العشرات — وأحياناً المئات — من البطاقات من المواطنين داخل فروع المصارف، ويسحبون كامل المخصصات بالعملة الأجنبية ويوجهونها مباشرة إلى السوق الموازية. ويحصل حاملو البطاقات على رسوم متواضعة، بينما يستأثر السماسرة بالفرق بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق السوداء.

وسعت هذه الآلية منظومة المضاربة بالدولار إلى ما هو أبعد من لاعبيها الأصليين، حيث جرّت المواطنين العاديين كمشاركين غير مدركين وأنشأت دورة ذاتية التغذية تستنزف الاحتياطيات الأجنبية لليبيا.

اتساع شريحة المضاربين

يشير الطياري إلى مؤشر دال على حجم المضاربة: رد الفعل العدواني في الأماكن العامة كلما وردت أخبار عن احتمال انخفاض الدولار. ويرى أن حدة الهجوم الإلكتروني والمعارضة تعكس الحجم الكبير للسكان الذين يعتمدون الآن على ضعف الدينار كمصدر رزق.

وقد حاول مصرف ليبيا المركزي معالجة الفجوة، فقام بتخفيض قيمة الدينار بنسبة 13.3 بالمئة في أبريل 2026 ليحدد السعر الرسمي عند 5.5677 دينار للدولار. غير أن سعر السوق الموازية لا يزال متباعدا، حيث تشير تقارير حديثة إلى أنه يبلغ نحو 8.37 دينار للدولار — وهو فارق يقارب 50 بالمئة.

مطالب بأمني حاسم

يطالب كلا الخبيرين باتخاذ إجراءات حاسمة. يستشهد الطياري بالتجربة المصرية، حيث أدى تجريم تداول الدولار خارج القنوات الرسمية إلى كبح نشاط السوق الموازية بشكل ملحوظ. ويحذر من أنه بدون تدابير مماثلة، ستظل السوق السوداء كابوساً دائماً يهدد الدينار الليبي والاقتصاد الوطني.

ويدعو الجديد إلى نهج أكثر استهدافاً: إيقاف نظام بطاقات الأغراض الشخصية واستبداله بصرف نقدي مباشر يتطلب الحضور الشخصي لحساب المستفيد. وهذا من شأنه إلغاء دور الوسيط السمسار وضمان وصول الدولارات إلى مستحقيها.

الخسائر الاقتصادية الأوسع

إن أزمة المضاربة بالدولار ليست مشكلة مالية معزولة. فهي تغذي التضخم وتشوه أسعار الاستيراد وتؤدي إلى تآكل الثقة العامة في المؤسسات المصرفية وتعمق الانقسام بين السلطات السياسية المتنافسة في ليبيا. ومع كون المصرف المركزي نفسه موضوع خلاف سياسي، يظل الإصلاح الشامل بعيد المنال.

وبالنسبة للمواطنين الليبيين العاديين، تقاس التكلفة بمصطلحات يومية: ارتفاع أسعار الغذاء والأدوية والسلع الأساسية، وعملة تشتري أقل مع كل شهر يمر. إلى أن تُزال الحوافز الهيكلية للمضاربة، ستستمر الإمبراطورية المبنية على فجوة الدولار في ليبيا في التوسع.