شراكة الأقوى أم تكريس للواقع؟ آفاق ومخاوف المقاربة الأمريكية الجديدة في ليبيا

دفع دبلوماسي جديد يكسر سنوات من الجمود

تطلق الولايات المتحدة الأمريكية أكثر مبادراتها الدبلوماسية مباشرة في ليبيا منذ سنوات، حيث يقود المبعوث الرئاسي مسعد بولس استراتيجية تتجاوز الوسطاء التقليديين للتواصل المباشر مع أطراف الصراع الرئيسية. كشفت هذه المقاربة عن نفسها في أواخر مايو عام 2026، مستهدفة الشلل السياسي الذي أصاب هذا البلد الأفريقي الشمالي منذ انهيار إطار وقف إطلاق النار لعام 2020. ويطرح هذا المبادرة سؤالاً جوهرياً: هل لواشنطن القدرة على بناء شراكة حقيقية مع الفاعلين الليبيين، أم أنها ستكرّس الواقع المنقسم القائم؟

لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والقوات الموالية للقيادة الشرقية بقيادة خليفة حفتر. وبعد ثماني سنوات من فشل اتفاق الصخيرات في توحيد المؤسسات، لا تزال البلاد تعمل ببنكين مركزيين وقيادتين عسكريتين ومزاعم متنافسة بالشرعية. وتأتي المبادرة الأمريكية في لحظة شهدت فيها القوى الإقليمية — تركيا ومصر والإمارات وروسيا — تعزيز نفوذها بشكل كبير على الأرض.

ما الذي تقترحه مبادرة بولس فعلياً

تبنى المبعوث مسعد بولس، المستشار الرئاسي الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إطاراً تعاملياً يركز على التواصل المباشر بدلاً من بناء التوافق متعدد الأطراف. وعلى عكس الجهود الأمريكية السابقة التي عملت من خلال بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تتبنى هذه المقاربة اتصالات ثنائية مع أبرز الفاعلين الليبيين في آن واحد.

وتستند الاستراتيجية إلى ثلاثة ركائز: الحوار المباشر مع القيادتين الليبيتين الغربية والشرقية، والحوافز الاقتصادية المرتبطة بالتسويات السياسية، والاستعداد للتعامل مع أطراف أبقتها واشنطن سابقاً على مسافة. وقد عقد بولس محادثات مع رئيس الوزراء الدبيبة فضلاً عن ممثلين مرتبطين بالجيش الوطني الليبي التابع لحفتر، مما يشير إلى تحول واضح عن السياسة الأمريكية السابقة التي كانت تدعم حكومة موحدة واحدة.

حقائق أساسية عن المبادرة الأمريكية

  • يشغل مسعد بولس منصب المستشار الرئاسي الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مما يمنح المبادرة دعماً مباشراً من البيت الأبيض
  • تتخطى المقاربة القنوات التقليدية التابعة للأمم المتحدة وتفضّل التواصل المباشر مع الفصائل الليبية
  • أكد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة عقد لقاءات مع بولس، وهي أعلى مستوى من التواصل الأمريكي الليبي في السنوات الأخيرة
  • تستهدف المبادرة ثماني سنوات من الانقسام المؤسسي، بما في ذلك البنكان المركزيان والقيادتان العسكريتان المتنافستان
  • تحتفظ القوى الإقليمية بما فيها تركيا ومصر والإمارات وروسيا بوجود عسكري واقتصادي كبير في ليبيا
  • يؤكد الإطار على استخدام الحوافز الاقتصادية كأداة للضغط من أجل التسوية السياسية، في تحول عن المقاربات المشروطة السابقة

أصوات ليبية: أمل ممزوج بالشكوك

رحّب رئيس الوزراء الدبيبة علناً بالانخراط الأمريكي، واصفاً إياه بأنه نقطة تحول محتملة. وقال الدبيبة عقب لقاءاته بالمبعوث الأمريكي: "التواصل المباشر مع واشنطن يفتح أبواباً لم تستطع سنوات من الدبلوماسية غير المباشرة فتحها". غير أن محليين ليبيين عبروا عن تحفظات عميقة حول قدرة المبادرة على تحقيق نتائج ملموسة.

وقدمت الباحثة السياسية الليبية فاطمة المصراتي، المقيمة في طرابلس، تقييماً أكثر حذراً: "كل بضع سنوات تصل مبادرة أمريكية جديدة بوعظ كبيرة. السؤال هو ما إذا كانت هذه المبادرة تملك الاستدامة والنالكافي لتحريك الأطراف الليبية إلى ما بعد مواقعهم المتجذرة. حتى الآن، رأينا اجتماعات — ولكن لا آلية للتنفيذ."

لماذا يهم هذا مستقبل ليبيا

بالنسبة للمواطن الليبي العادي، تتجاوز رهانات هذا الدفع الدبلوماسي المناورة الجيوسياسية البحتة. فلا يزال إنتاج النفط في البلاد — الذي يمثل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية — عرضة للحصار الذي تفرضه المجموعات المسلحة. كما تدهورت الخدمات العامة، من الكهرباء إلى الرعاية الصحية، إلى مستويات حرجة في كثير من المناطق. ويمكن لاختراق سياسي حقيقي أن يفتح الباب أمام الاستثمار الدولي ويثبت سعر صرف الدينار، في حين أن فشل المخاطر يعمق السلبية لدى مواطنين شاهدوا انهيار عمليات سلام متكررة.

تحمل المبادرة أيضاً تداعيات على دور ليبيا في ملف الهجرة عبر المتوسط، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة — وهي قضايا تؤثر بشكل مباشر على المصالح الأوروبية والأمريكية. ويمكن لاستعداد واشنطن للتعامل مع القيادة الليبية الشرقية أن يعيد رسم موازين القوى بطرق تنعكس على شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

الطريق إلى الأمام

ستكشف الأسابيع القادمة ما إذا كانت مبادرة بولس تمثل تحولاً استراتيجياً حقيقياً أم دورة أخرى من الاجتماعات رفيعة المستوى التي تنتج بيانات مشتركة دون تغيير هيكلي. ولكي تتحرك ليبيا إلى الأمام، تحتاج المبادرة إلى تحويل التواصل الدبلوماسي إلى التزامات قابلة للتنفيذ — وهو ما لم تحققه أي جهود دولية منذ عام 2015. ويراقب الليبيون الوضع عن قرب، يأملون أن يكون هذا الوقت مختلفاً، لكنهم يستعدون لاحتمال أن لا يكون كذلك.