خبير يهاجم "تجار الأزمات" مستغلين معاناة الليبيين في ظل انقطاع الكهرباء

أزمة الكهرباء في ليبيا تغذي التلاعب بالأسعار.. والخبير الاقتصادي ناظم الطياري يدين التربح من معاناة المواطنين

فتح انقطاع التيار الكهربائي المستمر في ليبيا الباب أمام ما يسميه الخبير الاقتصادي ناظم الطياري "تجار الأزمات" ــ أفراد وشركات يستغلون النقص المتفاقم في الطاقة لرفع أسعار السلع الأساسية. وفي تصريحات شديدة اللهجة الأحد، اتهم الطياري هؤلاء المنتفعين بعدم امتلاك أي ضمير أو إحساس، وهم يستغلون معاناة الليبيين خلال صيف قاسٍ على نحو استثنائي.

تجاوزت درجات الحرارة في معظم أنحاء ليبيا باستمرار 40 درجة مئوية في الأسابيع الأخيرة، مما أدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء الحادة التي أغرقت أجزاء كبيرة من البلاد في انقطاع يومي للتيار يمتد لنحو 12 ساعة أو أكثر. وقد عطّل انقطاع الكهرباء ضخ المياه وتخزين الغذاء وتشغيل أجهزة التكييف، مما خلق ظروفاً خطيرة على الفئات الأكثر ضعفاً.

ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية

سلّط الطياري الضوء على الزيادات الحادة في أسعار المياه والثلج، وهما سلعتان لا غنى عنهما خلال موجة الحر الشديدة. فعبوات المياه التي كانت تباع بـ 2 دينار ليبي أصبحت تباع الآن بـ 3 و4 دنانير. أما أسعار الثلج فتضاعفت، رغم كونه ضرورة أساسية يعتمد عليها الليبيون لحفظ الطعام والبقاء في أجواء باردة.

وقال الطياري في تصريحات نشرتها "عين ليبيا": "حتى الميا لمَ تنشدش، ستيكات الميا زادوها... الثلج، الناس في الحر الشديد تعطي فيه صدقة، زادوه الدبل". وأشار إلى أن الأزمة طالت أيضاً بائعي الوقود الذين يستغلون الطوابير الطويلة أمام محطات التزويد، ويفرضون أسعاراً مبالغاً فيها مع ارتفاع الطلب بسبب زيادة استخدام المولدات الخاصة.

ظاهرة "تجار الأزمات"

احتفظ الطياري بأقسى عباراته لمن وصفهم بطبقة مفترسة تظهر في كل أزمة ليبية. وقال: "في كل أزمة يخرج حفنة من المستغلين، حفنة من تجار الأزمات معدومي الضمير والإحساس، يزيدون من ألم ومعاناة الناس بكل وحشية، متجردين من أدنى معاني الإنسانية".

وذهب إلى أبعد من ذلك واصفاً هؤلاء بأنهم "ورم سرطاني منتشر في المجتمع يجب استئصاله". ودعا الطياري السلطات والمجتمع المدني إلى مواجهة المتربحين من الضائقة العامة وحماية المستهلكين.

حرب اتهامات بين الحكومة والكهرباء

يمتد انقطاع الكهرباء إلى ما هو أبعد من الفشل الفني ليتحول إلى نزاع سياسي حاد. فقد انتقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة علناً الشركة العامة للكهرباء بسبب الانقطاعات. وردت الشركة بأنها حذرت الحكومة مراراً من نقص الوقود الذي سيؤدي إلى تراجع التوليد ــ تحذيرات تقول إنها قوبلت بالتجاهل.

ووفقاً لتقارير صحيفة "ليبيا هيرالد"، قالت الشركة العامة للكهرباء إن عدم كفاية إمدادات الوقود لمحطات الطاقة هو السبب الجذري للأزمة. وفي الوقت نفسه، أعلنت شركة البريقة لتسويق النفط زيادة مخصصات الديزل لمحطة كهرباء غرب طرابلس بنسبة 50% خلال يوليو الجاري، لتصل إلى 120 مليون لتر ــ إلا أن ذلك لم يسد الفجوة بعد.

كما أدى انقطاع الكهرباء إلى شل إمدادات المياه، حيث يعطل التيار عمل محطات الضخ، مما يترك العديد من الأحياء في طرابلس ومدن أخرى بدون مياه جارية لفترات طويلة.

احتجاجات غاضبة وأزمة إقليمية

أثارت الأوضاع المتدهورة احتجاجات في عدة مناطق في طرابلس مساء السبت، حيث طالب المتظاهرون بمحاسبة كل من الشركة العامة للكهرباء والحكومة، وسط إحباط متصاعد من صيف آخر من النقص الحاد رغم امتلاك ليبيا لأكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في أفريقيا.

وتشكل أزمة الكهرباء في ليبيا جزءاً من أزمة إقليمية أوسع. ذكرت وكالة "بلومبرغ" أن انقطاع التيار الكهربائي اجتاح شمال أفريقيا ــ من ليبيا إلى تونس والجزائر ــ مع إجهاد الحرارة الشديدة التي تزيد عن 40 درجة مئوية للبنية التحتية المتقادمة للطاقة. وفي ليبيا، تتفاقم الأزمة بسبب سنوات الانقسام السياسي منذ 2011، مما أعاق صيانة المحطات وتطوير قدرات التوليد.

دعوات لحماية المستهلك

لاقت إدانة الطياري صدى واسعاً، حيث تبادل الليبيون قصصاً عن ارتفاع الأسعار على وسائل التواصل الاجتماعي ودعوا إلى تحرك الجهات الرقابية. وحث الخبير الاقتصادي المواطنين على توثيق حالات التلاعب بالأسعار والإبلاغ عنها، معتبراً أن الوعي الجماعي هو خط الدفاع الأول.

وقال: "هؤلاء مستحيل يكونوا بشراً ولا يملكون قلوباً ولا إحساساً... هم ورم سرطاني يجب استئصاله من المجتمع". وبينما تعاني ليبيا صيفاً آخر من انقطاع الكهرباء والضغوط الاقتصادية، أصبح الصراع بين التربح والضرورة العامة اختباراً حاسماً للحوكمة والتضامن الاجتماعي.

— ليبيا برس / مكتب الأخبار