خارطة الطريق السياسية في ليبيا: رؤى متصارعة والطريق إلى الانتخابات

مساران سياسيان متنافسان — أحدهما تدعمه واشنطن والآخر تقوده الأمم المتحدة — يشدان خريطة الطريق الليبية في اتجاهين متعاكسين

لا يزال المشهد السياسي الليبي منقسماً بشكل عميق، حيث يتنافس نهجان متناقضان لحل الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد. فمن جهة، تقف خارطة الطريق الإجرائية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي أقرتها جامعة الدول العربية وأيدها مجلس الأمن الدولي. ومن جهة أخرى، المسار العملي الذي تدعمه الولايات المتحدة، ويضع النتائج السريعة فوق المفاوضات التدريجية. هذه الديناميكية المزدوجة تخلق ارتباكاً وتؤخر الانتخابات وتعمق انعدام الثقة المؤسسية بين الليبيين.

خارطة طريق الأمم المتحدة: النهج الإجرائي

دافعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن خارطة طريق تقوم على مراحل متسلسلة: الإصلاح الدستوري، توحيد المؤسسات الأمنية، الشفافية الاقتصادية، وأخيراً الانتخابات الوطنية. وفي أغسطس 2025، أقرت جامعة الدول العربية رسمياً هذه الخارطة، مانحة إياها غطاءً إقليمياً حاسماً، ثم عرضت الخطة على مجلس الأمن الذي وافق على الخطوات المؤدية إلى السلام والاستقرار.

غير أن التنفيذ ظل بطيئاً. وأقر مجلس الأمن بأن الإطار سليم، لكن "الاختبار الحقيقي يكمن في التنفيذ الفعال والإرادة السياسية المستدامة والانفصال الحاسم عن الوضع الراهن". وبعد نحو عام، لا تزال المعايير الرئيسية غير محققة.

المسار العملي الأمريكي: السرعة قبل الإجراءات

بالتوازي مع مسار الأمم المتحدة، دفعت الولايات المتحدة بمسار واقعي يركز على نتائج ملموسة سريعة — محادثات مباشرة مع الفاعلين الليبيين، وحوافز اقتصادية، وضغط لانتخابات معجلة. ورغم قبول بعض الفصائل الليبية لهذا النهج، يرى منتقدوه أنه يقوض العملية الأممية ويخلق مراكز وساطة متنافسة.

ووفقاً لوسائل إعلام من بينها ليبيا تريبيون، أدى التنافس بين المسارين إلى تفاقم الانقسام السياسي. وأعرب مسؤولون ليبيون عن قلقهم من أن القوى الخارجية تسعى وراء أجنداتها بدلاً من تنسيق استراتيجية موحدة.

ثقة الجمهور عند الانهيار

يزيد تآكل الثقة العامة من تعقيد المشهد. فالاتهامات بالتجاوزات السياسية الدولية، إلى جانب سياسات توطين المهاجرين في ليبيا، أضعفت دور الأمم المتحدة كوسيط محايد. يشعر كثير من الليبيين أن العملية السياسية انفصلت عن واقعهم — فالبطالة والتضخم وتردي الخدمات تظل هموماً ملحة بينما تنشغل النخب بالجدل الإجرائي.

وتظهر استطلاعات باحثين ليبيين مستقلين أن أكثر من 70% من الليبيين يرون الطبقة السياسية منفصلة عن احتياجات المواطنين. وهذا التآكل يهدد أي خارطة طريق، أياً كان الإطار المعتمد.

إصلاح القطاع الأمني: حجر الزاوية

أكد مجلس الأمن أن إعادة توحيد المؤسسات وإصلاح القطاع الأمني شرطان للسلام الدائم. لا تزال ليبيا منقسمة بين قيادات عسكرية في الشرق والغرب، والجماعات المسلحة تملك نفوذاً كبيراً. أي خارطة طريق تتجاهل دمج القطاع الأمني تخشى الانهيار عند أول اختبار.

ويشير المحللون إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020 لم يترجم إلى توحيد عسكري حقيقي، والمؤسسات الموازية لا تزال قائمة، وتأثير الميليشيات يظل عقبة رئيسية.

الشفافية الاقتصادية وبناء الثقة

الحوكمة الاقتصادية جبهة بالغة الأهمية. فالتوزيع العادل لعائدات النفط الليبية كان مصدر توتر مستمر، وتدعو خارطة طريق الأمم المتحدة إلى شفافية أكبر في عمليات مصرف ليبيا المركزي وميزانية موحدة. وأظهرت جهود الإصلاح الاقتصادي الدولي تقدماً محدوداً بسبب الانقسامات السياسية.

وبدون حوكمة شفافة، تظل الثقة في أي عملية سياسية بعيدة المنال. الشعب الليبي، الذي عانى سنوات من عدم الاستقرار، يستحق خارطة طريق تحقق تحسينات ملموسة في جودة حياته.

ماذا بعد؟

مع اقتراب ليبيا من منعطف حاسم، يبقى السؤال: ما الطريق إلى الأمام؟ أوضح مجلس الأمن أن المجتمع الدولي يتوقع من الليبيين تولي زمام عمليتهم السياسية. فالوساطة الخارجية توفر الأطر، لكن الإرادة الليبية وحدها تكسر الجمود.

سواء عبر خارطة الطريق الأممية أو مسار أكثر واقعية، الهدف واحد: انتخابات حرة نزيهة تنتج حكومة موحدة قادرة على مواجهة التحديات. الأشهر المقبلة ستكشف إن كانت المسارات المتنافسة ستتقارب — أم تظل خرائط الطريق الليبية مجرد خرائط بلا وجهة.

— ليبيا برس / مكتب السياسة