أعمال عنف كروية تجتاح ليبيا ومشجعون يحرقون مقراً حكومياً بعد خلاف تحكيمي

اندلعت اشتباكات دامية في ليبيا يومي الخميس والجمعة عقب مباراة كرة قدم مثيرة للجدل في بلدة ترهونة، حيث امتدت أعمال العنف بسرعة إلى العاصمة طرابلس وأقدم مشجعون غاضبون على إضرام النار في مقر حكومة الوحدة الوطنية. تُعد هذه الاضطرابات أخطر اضطرابات مدنية تشهدها العاصمة الليبية منذ عدة أشهر، مما يكشف عن إحباطات عميقة لدى شريحة الشباب والوضع الأمني الهش الذي لا يزال يعاني منه هذا البلد المقسم.

الحقائق الرئيسية والتفاصيل

بدأت أعمال العنف مساء الخميس في بلدة ترهونة، التي تبعد نحو ثمانية كيلومترات جنوب العاصمة طرابلس، مباشرة بعد مباراة فاصلة على اللقب بين نادي الاتحاد السكندري من طرابلس ونادي السويحلي من مصراتة ضمن دوري الدرجة الأولى الليبي. أُقيمت المباراة خلف أبواب مغلقة دون حضور جماهيري. وتوقفت المباراة قبل صافرة النهاية بقليل عندما احتج لاعبو الاتحاد على قرار تحكيمي بعدم احتساب ركلة جزاء اعتبروها مستحقة، وفقاً لوكالة الأنباء الليبية.

سرعان ما تحول الخلاف الرياضي إلى أعمال شغب واسعة النطاق. اندلعت مشاجرات بين المشجعين وقوات الأمن خارج الملعب. وأصيب لاعبون وصحفيون كانوا يغطون المباراة، كما أُحرقت عدة سيارات من بينها سيارة بث تابعة لقناة رياضية ليبية. واستجابت حكومة الوحدة الوطنية المتخذة من طرابلس مقراً لها بإحدى أقوى فصائلها المسلحة، وهو اللواء الرابع والأربعون المقاتل، لاحتواء الموقف.

ادعى اللواء مقتل أحد أفراده بالرصاص خلال المواجهات، وأكد في بيانات نقلتها وسائل إعلام ناطقة بالعربية أن وحداته أطلقت الرصاص الحي على محتجين. غير أن السلطات الرسمية ووسائل الإعلام المستقلة لم تؤكد حتى الآن خبر مقتل الجندي. وفي العاصمة طرابلس، امتدت تداعيات الأحداث إلى مقر مجلس الوزراء، حيث قال المجلس الرئاسي الليبي إن أشخاصاً استهدفوا المقر بأعمال تخريبية وحرق متعمد. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن النيران اشتعلت في عدة مكاتب داخل المجمع الحكومي قبل أن تتم السيطرة على الحريق بسرعة.

ردود الفعل والسياق

دعا المجلس الرئاسي الليبي إلى فتح تحقيق عاجل فيما وصفه بالأحداث المؤسفة، مشدداً في بيانه على أن أي شعور بالظلم ينبغي أن يعالج عبر القنوات القانونية وليس بالعنف. وأقر المجلس بالمظالم الكامنة لكنه أدان بحزم تدمير الممتلكات العامة والاعتداء على مؤسسات الدولة.

واجه نشر اللواء الرابع والأربعين المقاتل اهتماماً خاصاً من المراقبين. وقد ارتبط اسم اللواء سابقاً في تقارير إعلامية بمقتل سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في فبراير الماضي، إلا أن اللواء نفى بشكل قاطع أي تورط له في ذلك الحادث. وأثار استخدامه لقمع المحتجين المدنيين مخاوف لدى منظمات حقوق الإنسان بشأن عسكرة عمليات حفظ النظام العام في ليبيا.

وأشار محللون سياسيون ليبيون إلى أن الاضطرابات تعكس إحباطات أوسع لدى الشباب الليبي الذي يواجه ظروفاً معيشية متدهورة وشحاً في الفرص الاقتصادية وشعوراً بالظلم لم تعالجه المؤسسات السياسية المتنافسة في البلاد. وقد شكلت مباريات كرة القدم تاريخياً متنفساً للتوترات السياسية والاجتماعية في ليبيا وعبر المنطقة.

التحديات والمستقبل

تأتي أعمال العنف في طرابلس بعد أسابيع فقط من اشتباكات مسلحة في مدينة الزاوية غربي البلاد، التي تسيطر عليها حكومة طرابلس أيضاً، أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة ثلاثة وعشرين آخرين في مطلع مايو الجاري. ويكشف نمط العنف المتكرر عن هشاشة المشهد الأمني الليبي بعد أكثر من عقد من سقوط نظام القذافي.

ولا تزال ليبيا مقسمة بين إدارتين متنافستين في الشرق والغرب، حيث تمارس الفصائل المسلحة تأثيراً كبيراً على الحياة السياسية والاقتصادية. وحكومة الوحدة الوطنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة عانت من صعوبات في فرض سلطتها على مزيج من الميليشيات التي تسيطر على أراضٍ في مختلف أنحاء البلاد.

ودعا المجتمع الدولي مراراً إلى إطار أمني موحد وعملية سياسية تؤدي إلى انتخابات وطنية. غير أن التقدم تعثر بسبب خلافات حول الأطر الدستورية واستمرار وجود مقاتلين أجانب ومرتزقة. ومن المرجح أن تزيد أعمال العنف الأخيرة من تعقيد الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في هذا البلد النفطي الغني في شمال أفريقيا.

بينما تحقق السلطات الليبية في أحداث ترهونة وطرابلس، تبقى تساؤلات مطروحة حول تناسب الاستجابة الأمنية والظروف الاجتماعية والاقتصادية الكامنة التي دفعت آلاف الشباب إلى النزول إلى الشوارع. ويحلل الخبراء أنه بدون إصلاحات حقيقية ومحاسبة، من المرجح أن تتكرر مثل هذه الحوادث بشكل متزايد.