إعلانات «الحكومات الافتراضية» المتكررة تُربك المشهد السياسي الليبي وتعمّق الانقسام

إدارات موازية يعلنها أفراد دون تفويض رسمي تثير مخاوف من تفتت مؤسسات الدولة

يواجه المشهد السياسي الليبي الممزق موجة جديدة من الارتباك، بعد أن أعلن العديد من الأفراد من جانب واحد أنفسهم رؤساء لما يصفه المحللون بـ«الحكومات الافتراضية» — إدارات تشكلت دون تفويض برلماني أو عملية انتخابية أو اعتراف دولي. وقد تسارعت هذه الظاهرة في الأسابيع الأخيرة، مما أثار مخاوف من مزيد من التفتت في مؤسسات الدولة.

تصاعد الإعلانات الأحادية الجانب

وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط»، فإن السباق السياسي في ليبيا لم يعد مقتصراً على آليات تشكيل حكومة جديدة في بلد يعاني أصلاً من انقسام مؤسسي حاد، بل توسع ليشمل أفراداً يعلنون أنفسهم قادة لهيئات تنفيذية موازية، غالباً دون أن يكون لهم أكثر من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي وحفنة من المؤيدين.

وقال المحلل السياسي علاء حمودة لـ«الشرق الأوسط»: «إن تواتر هذه الإعلانات يعكس أزمة شرعية عميقة. نحن نرى شخصيات تعين نفسها في مناصب لا وجود لها ضمن أي إطار قانوني». وأضاف أن هذه الممارسات تقوّض أي محاولة جادة لبناء دولة موحدة.

إطار جنيف وحدوده

تأتي هذه التطورات على خلفية منتدى الحوار السياسي في جنيف، الذي جمع أصحاب المصلحة الليبيين تحت رعاية الأمم المتحدة بهدف رسم مسار يؤدي إلى انتخابات وطنية شاملة. وكان المنتدى يهدف إلى إنتاج حكومة موحدة قادرة على قيادة البلاد إلى الانتخابات. لكن المراقبين يشيرون إلى أن عجز المنتدى عن تحقيق اختراق حقيقي خلق فراغاً يحرص قادة نصبوا أنفسهم على ملئه.

وتعاني ليبيا من انقسام بين إدارتين متنافستين في طرابلس وبنغازي منذ عام 2014، ورغم اعتراف الأمم المتحدة بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، فإن هذه الحكومة تواجه تحديات مستمرة لسلطتها من فصائل متنافسة ومؤسسات موازية.

ردود فعل دولية وتداعيات دبلوماسية

يؤدي ظهور هذه الحكومات الافتراضية المعلنة ذاتياً إلى تعقيد التعامل الدبلوماسي مع ليبيا. فقد دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (يونسميل) باستمرار إلى الالتزام بخارطة الطريق السياسية وإجراء انتخابات وطنية. وكل إعلان أحادي جديد يجبر البعثات الدبلوماسية على التأكيد مجدداً أن المؤسسات المعترف بها دولياً فقط هي التي تملك السلطة الشرعية.

وأعرب دبلوماسيون غربيون عن إحباطهم من هذا الاتجاه ووصفوه بأنه إلهاء عن جهود المصالحة الحقيقية. ونقلت وسائل إعلام إقليمية عن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين قوله: «في كل مرة يعلن شخص ما عن حكومة جديدة من غرفة فندق، فإن ذلك يقوض مصداقية العملية السياسية برمتها».

تأثير مباشر على المواطنين والخدمات الأساسية

بالنسبة لليبيين العاديين، يترجم انتشار الحكومات الافتراضية إلى حالة من عدم اليقين الملموس. إذ تظل الخدمات العامة — بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية — رهينة للصراع السياسي الداخلي. ومع مطالبة كيانات متعددة بالسلطة على الوزارات نفسها، يتلقى موظفو الخدمة المدنية توجيهات متناقضة أو لا يتلقون أي توجيه على الإطلاق.

أما على الصعيد الاقتصادي، فما تزال الثروة النفطية الليبية تشكل مصدر نزاع دائم. فكل إعلان حكومة موازية يأتي عادة مع ادعاءات بالسلطة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي — وهما مؤسستان ظلتا معزولتين نسبياً عن الانقسام السياسي لكنهما تواجهان ضغوطاً متزايدة.

خبراء: الظاهرة عرض لخلل مؤسسي أعمق

يرى باحثون سياسيون أن ظاهرة الحكومات الافتراضية هي أحد أعراض الفراغ المؤسسي الأوسع. وقال باحث في الشأن الليبي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «عندما تفشل العملية السياسية الرسمية في إنتاج هياكل حكم شرعية، تتدخل الجهات الفاعلة غير الرسمية. هذه الإعلانات هي بمثابة تمارين تموضع تهدف إلى تحسين موقع الأفراد في أي مفاوضات مستقبلية».

ويحذر الخبراء من أنه حتى الإيماءات الرمزية يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة. فكل إعلان جديد لحكومة افتراضية يؤدي إلى تآكل سلطة المؤسسات القائمة ويجعل إعادة التوحيد أكثر تعقيداً. ويخاطر التأثير التراكمي بتطبيع واقع سياسي مجزأ يخدم مصالح النخب بدلاً من الشعب الليبي.

ماذا بعد؟

بينما تقترب ليبيا من مفترق طرق سياسي جديد، لا يزال الطريق إلى الأمام غير واضح. تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وساطتها بين الفصائل الرئيسية، لكن هدف إجراء انتخابات وطنية طال انتظارها يبدو أبعد من أي وقت مضى. وبدون اتفاق سياسي ملزم يتمتع بدعم شعبي واسع، يتوقع المحللون أن يستمر تدفق إعلانات الحكومات الافتراضية بل وربما يتسارع.

السؤال الجوهري الذي يواجه ليبيا اليوم: هل تستطيع النخبة السياسية الالتزام بشكل جماعي بمشروع وطني موحد، أم أن مؤسسات البلاد ستستمر في التفتت إلى إقطاعيات متنافسة — حقيقية كانت أم افتراضية؟

— ليبيا برس / مكتب السياسة