قطاع الصحة الليبي يواجه تحديات متنامية وإصلاحات مُلحة

تفتيش ميداني في مستشفى أبو سليم يكشف ضغوطاً هيكلية

أجرى وزير الصحة بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، الدكتور محمد الغوج، يوم الخميس الماضي، زيارة تفتيشية مفاجئة إلى مستشفى أبو سليم للحوادث في طرابلس — أحد أكثر مراكز الإصابات والطوارئ ازدحاماً في العاصمة. تأتي هذه الزيارة في وقت يواجه فيه النظام الصحي الليبي ضغوطاً متصاعدة نتيجة سنوات من نقص التمويل وتدمير البنية التحتية وتزايد عدد السكان الذين يعانون من احتياجات طبية معقدة ومتنوعة.

ركز التفتيش في مستشفى أبو سليم على قدرات الاستجابة للطوارئ ومستوى التوظيف الطبي وتوفر الإمدادات الأساسية. فطرابلس وحدها تضم أكثر من مليون ومائتي ألف نسمة، مما يضع طلباً هائلاً على شبكة مستشفياتها. وتواجه وزارة الصحة ضغوطاً متزايدة لإثبات المساءلة والشفافية في كيفية تخصيص موارد الصحة العامة عبر أنحاء البلاد.

فجوات بيانات منظمة الصحة العالمية تعكس أزمة المؤسسات الصحية

تحتفظ منظمة الصحة العالمية بملف وطني لليبيا يقدم بيانات وإحصاءات مختارة لتوفير نظرة شاملة على الوضع الصحي في البلاد. غير أن كثيراً من أحدث المؤشرات الصحية الشاملة لليبيا لا تزال غير مكتملة أو قائمة على بيانات قديمة — وهو ما يعكس التحديات المؤسسية التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن.

تشمل المؤشرات الصحية الرئيسية في ليبيا ما يلي:

  • لا يزال متوسط العمر المتوقع عند الولادة دون المعايير الإقليمية لشمال أفريقيا
  • تشكل الأمراض غير المعدية حصة متنامية من معدلات الوفيات والمراضة
  • تراجعت نسبة الأطباء إلى عدد السكان بشكل ملحوظ منذ عام 2011
  • لا تزال خدمات الصحة النفسية تعاني من نقص حاد في الموارد عبر معظم البلديات
  • تُظهر معدلات وفيات الأمهات تحسناً غير متساوٍ بين المناطق الحضرية والريفية

تكشف هذه الأرقام عن أزمة أعمق: فالمؤسسات الصحية الليبية تكافح للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، ناهيك عن بلوغ المعايير المتوقعة من بلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة.

الدعم الدولي: ضرورة وليس خياراً

دعت ليبيا علناً إلى تعزيز الدعم الدولي لتقوية الأنظمة الصحية التي تواجه ضغطاً مزدوجاً من الأمراض غير المعدية والهجرة. إذ يُعد البلد وجهة وممراً للهجرة من جنوب الصحراء الأفريقية، مما يخلق تحديات فريدة في مجال الصحة العامة لا تستطيع الموارد المحلية وحدها التصدي لها بشكل كافٍ.

صرّح الدكتور محمد الغوج خلال مشاركته في الاجتماعات الأخيرة قائلاً: "مستشفياتنا تصل إلى نقطة الانهيار. نحن بحاجة إلى شراكات دولية مستدامة — وليس مجرد مساعدات طارئة، بل إلى بناء قدرات طويلة الأمد لقطاعنا الطبي وبنيتنا التحتية الصحية."

يتوافق هذا النداء مع الجهود الأوسع التي تبذلها الأمم المتحدة في إطار التجمع الصحي لليبيا، الذي ينسق الاستجابة الصحية الإنسانية في جميع أنحاء البلاد، ويجمع بين عشرات المنظمات الدولية والالمحلية العاملة في المجال الصحي.

لماذا هذا مهم لكل أسرة ليبية

إن تدهور القطاع الصحي يؤثر على كل أسرة ليبية. فقد ارتفعت نفقات الرعاية الصحية التي يتحملها المواطن من جيبه بشكل حاد، مما أجبر كثيرين على السفر للعلاج في الخارج سواء في تونس أو مصر أو تركيا. ويمكن أن تكلف رحلة إجلاء طبي واحدة الأسر الليبية آلاف الدولارات — وهو عبء مدمر في اقتصاد تظل فيه الأجور الشهرية متواضعة.

وتُظهر المؤشرات الصحية المتعلقة بنمط الحياة صورة مقلقة بالقدر نفسه. فقد ارتفعت معدلات الإصابة بأمراض السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة بشكل مطرد خلال العقد الماضي، مدفوعة بأنماط الحياة الخاملة والتحول الغذائي نحو الأطعمة المصنعة وقلة حملات التوعية الصحية العامة. ولم تنفذ وزارة الصحة بعد استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة عوامل الخطر المرتبطة بهذه الأمراض غير المعدية.

مسارات الإصلاح: ما الذي يحتاج إلى التغيير

يشير الخبراء إلى عدة مجالات ذات أولوية لإصلاح القطاع الصحي في ليبيا. أولاً، إن لامركزية الإدارة الصحية ستسمح للبلديات بالاستجابة بشكل أفضل للاحتياجات الصحية المحلية. ثانياً، الاستثمار في التعليم الطبي وخطوط التدريب ضروري لعكس هجرة العقول التي شهدت مغادرة آلاف الأطباء الليبيين للبلاد. ثالثاً، رقمنة السجلات الصحية وإدارة سلاسل الإمداد من شأنها تقليل الهدر وتحسين المساءلة.

وتواصل المنظمات الدولية بما في ذلك منظمة الصحة العالمية ومنظمة الطفولة الدولية والمنظمة الدولية للهجرة دعم حملات التطعيم وبرامج صحة الأمومة وخدمات الطوارئ الطبية في جميع أنحاء البلاد.

نداء من أجل مستقبل صحي أفضل لليبيا

إن التحديات الصحية في ليبيا ليست مستعصية على الحل — لكن التصدي لها يتطلب إرادة سياسية وإصلاحاً مؤسسياً وتعاوناً دولياً مستداماً. إن التفتيش في مستشفى أبو سليم يُرسل إشارة بأن آليات المساءلة بدأت تعمل من جديد. وبالنسبة للمواطنين الليبيين، فإن متابعة التطورات في السياسات الصحية هي خطوة جوهرية نحو المطالبة بخدمات ونتائج أفضل. فمن خلال إصلاح مركّز وشراكة حقيقية، يظل مستقبل صحي أفضل لجميع الليبيين في متناول اليد.