الاقتصاد الليبي لا يزال رهينة النفط وسط مطالبات بالتنويع الاقتصادي

لا يزال الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على قطاع النفط والغاز، الذي يشكل نحو 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، و97 بالمائة من الإيرادات العامة، و91 بالمائة من إجمالي الصادرات. ويجعل هذا الاعتماد العميق على الهيدروكربونات ليبيا عرضة بشدة لتقلبات الأسعار العالمية وانقطاعات الإنتاج الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي المستمر. وعلى الرغم من المطالبات المتكررة بالتنويع الاقتصادي، إلا أن التقدم ظل بطيئاً، ولا تزال الصحة المالية للبلاد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصناعة النفط.

النفط يهيمن على المشهد الاقتصادي في ليبيا

وفقاً للبنك الدولي، شكلت الهيدروكربونات 65 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لليبيا، و93 بالمائة من الصادرات، و72 بالمائة من إيرادات الحكومة في عام 2024. وقد شهد إنتاج النفط تقلبات حادة خلال العقد الماضي: ففي عام 2012، عندما ارتفعت الأسعار العالمية، نما الاقتصاد الليبي بنحو 87 بالمائة، لكنه انكمش بنسبة تقارب 20 بالمائة في العامين التاليين. وتسببت النزاعات المسلحة في عامي 2019 و2020 في انكماش الناتج المحلي بنسبة 11.2 بالمائة و23.9 بالمائة على التوالي، حيث استُهدفت البنية التحتية للنفط مراراً أو أُغلقت. وأدى مسار السلام في عام 2021 إلى انتعاش حاد بنسبة نمو بلغت 31.4 بالمائة، أعقبه انكماش بنسبة 8.3 بالمائة في عام 2022 وتعافي بنسبة 10.2 بالمائة في عام 2023. وفي عام 2024، تراجع الناتج المحلي بنسبة 0.6 بالمائة بسبب انخفاض إنتاج النفط، لكن التوقعات لعام 2025 تشير إلى انتعاش قوي يتراوح بين 12.3 و13.3 بالمائة، مدفوعاً بارتفاع الإنتاج المتوقع بمتوسط 1.3 مليون برميل يومياً.

خبراء يحذرون من هشاشة البنية الاقتصادية

حذر خبراء اقتصاديون ومؤسسات دولية منذ فترة طويلة من أن النموذج الليبي المعتمد على النفط غير مستدام. وأشار البنك الدولي إلى أن الانقسام المؤسسي وإدارة ثروة النفط المتنازع عليها وقطاع خاص هش تظل قيوداً هيكلية على النمو طويل الأمد. ويساهم القطاع الخاص بنسبة 14 بالمائة فقط من القوى العاملة، حيث يعمل الغالبية العظمى من الليبيين في الدولة أو المؤسسات المملوكة للدولة. وصرّح البنك الدولي في أحدث تقريره عن ليبيا بأن "الإصلاحات في إدارة المالية العامة وترشيد الدعم وكفاءة قطاع الطاقة وتحديث القطاع المالي تظل ضرورية". وأكدت وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية هذه المخاوف، مشيرة إلى أن استثمارات ضخمة مطلوبة لإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية المتهالكة وتنويع القاعدة الاقتصادية. ويزيد من حدة التحدي ارتفاع معدلات البطالة ومخاطر الفقر المتزايدة والتفاوتات الإقليمية الحادة في خدمات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء.

التحديات وآفاق التنويع الاقتصادي

يتوقع البنك الدولي أن يتراجع النمو إلى 4.5 بالمائة في عام 2026 و4.0 بالمائة في عام 2027 مع استقرار إنتاج النفط. ومن المتوقع أن ينمو النشاط غير النفطي بشكل متواضع بنحو 3.4 إلى 4.2 بالمائة سنوياً، بدعم من الاستهلاك الخاص والتعافي التدريجي للاستثمار والصادرات. غير أن مخاطر كبيرة تلوح في الأفق: الانقسام السياسي والنزاعات الإقليمية والاضطرابات المحتملة في إنتاج النفط والتضخم الناجم عن انخفاض قيمة الدينار الليبي. وأزمة حوكمة مصرف ليبيا المركزي في منتصف عام 2024، التي عطلت إنتاج النفط ووسعت ضغوط سعر الصرف، أكدت هشاشة الإطار المالي للبلاد. ويبقى حل الأزمة السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة شرطاً جوهرياً لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

تقف ليبيا اليوم على مفترق طرق. فبينما توفر عائداتالنفط المتزايدة - المتوقع أن تقفز بنسبة 30 بالمائة في عام 2025 - شريان حياة قصير الأمد، فإن ازدهار البلاد على المدى الطويل يعتمد على قدرتها على التنويع والإصلاح وبناء مؤسسات قوية. وبدون تغيير هيكلي حقيقي، ستظل ليبيا رهينة لأسواق النفط العالمية والانقسامات السياسية الداخلية.