قطاع النفط والغاز في ليبيا: محرك اقتصاد هش

يظل قطاع النفط والغاز الطبيعي في ليبيا العمود الفقري لاقتصاد هذا البلد الأفريقي الشمالي، حيث يمثل الغالبية الساحقة من إيرادات الحكومة وعائدات التصدير. وعلى الرغم من أكثر من عقد من عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة، لا تزال البلاد تحتل مكانة بين أكبر منتجي الهيدروكربونات في أفريقيا. وفي عام 2025، يقود الانتعاش الكبير في إنتاج النفط واحداً من أقوى التعافيات الاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ سنوات.

الحقائق الرئيسية والأرقام

وفقاً للبنك الدولي، شكلت الهيدروكربونات 65 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لليبيا، و93 بالمئة من الصادرات، و72 بالمئة من إيرادات الحكومة في عام 2024. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط إنتاج النفط 1.35 مليون برميل يومياً في عام 2026، فيما تهدف الاستثمارات إلى توسعة الطاقة الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2030. وفي عام 2020، مثلت عائدات النفط وحدها أكثر من 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الليبي، وهي النسبة الأعلى في القارة الأفريقية. كما تحتل ليبيا المرتبة الرابعة في إنتاج الغاز الطبيعي في أفريقيا، مما يوفر مصدر دخل ثانوياً إلى جانب النفط.

ويتجلى هيمنة هذا القطاع بشكل أكبر من خلال إحصاءات التصدير، حيث شكلت الوقود المعدني، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي، أكثر من 95 بالمئة من إجمالي صادرات ليبيا في عام 2021. وارتفعت عائدات النفط بنسبة 30 بالمئة في عام 2025، مما دفع إجمالي إيرادات الحكومة إلى 53.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد حافظت المؤسسة الوطنية للنفط على عملياتها رغم الانقسامات السياسية، غير أن توقف الإنتاج بسبب الحصار وتدمير البنية التحتية يظل خطراً مستمراً.

ردود الفعل والسياق الاقتصادي

حذر خبراء الاقتصاد والمؤسسات الدولية مراراً وتكراراً من أن الاعتماد المفرط لليبيا على الهيدروكربونات يجعلها عرضة بشكل خطير لصدمات الأسعار واضطرابات الإنتاج. وأشار البنك الدولي إلى أن أزمة حوكمة مصرف ليبيا المركزي في منتصف عام 2024 أدت إلى تعطيل إنتاج النفط وتوسيع ضغوط سعر الصرف قبل أن يتيح حلها في أواخر العام نفسه التعافي. وفي أبريل 2025، خفض المصرف المركزي قيمة الدينار ليضيّق الفجوة مع السوق الموازية وحماية الاحتياطيات الأجنبية.

وقال البنك الدولي في أحدث تقرير له عن ليبيا: "إن غياب ميزانية موحدة لعام 2025 والاعتماد على مخصصات شهرية لا يزالان يقيدان الإدارة المالية". ويؤكد المحللون أنه بدون تنويع اقتصادي حقيقي، ستظل ليبيا عالقة في دورة مفرغة حيث يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى تعطيل إنتاج النفط، مما يعمق بدوره الأزمات المالية ويغذي مزيداً من عدم الاستقرار.

التحديات والآفاق المستقبلية

تواجه ليبيا تحديات هيكلية كبيرة تهدد الاستدامة طويلة الأمد لاقتمادها على النفط. فلا يزال التفكك المؤسسي وإدارة الثروة النفطية المتنازع عليها وقطاع خاص غير متطور يمثل عوائق حرجة، حيث لا يشكل القطاع الخاص سوى 14 بالمئة من القوى العاملة. وقد تسببت سنوات النزاع في نقص الاستثمار في البنية التحتية، بينما تُقصي الإعانات الواسعة والقطاع العام الكبير المبادرات الخاصة.

وعلى صعيد الآفاق المستقبلية، من المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.5 بالمئة في عام 2026 و4.بالمئة في عام 2027 مع استقرار إنتاج النفط. ومن المرجح أن يسجّل التوازن المالي فائضاً قدره 5.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، بينما قد يتسع فائض الحساب الجاري إلى 23.6 بالمئة. غير أن مخاطر رئيسية لا تزال قائمة، بما في ذلك التفكك السياسي والنزاعات الإقليمية والتضخم الناجم عن انخفاض قيمة الدينار الليبي. ويتفق الخبراء على أن حل الأزمة السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة شرطان أساسيان لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

إن الثروة النفطية لليبيا تمنحها إمكانات هائلة، لكن تحرير هذه الإمكانات يتطلب الاستقرار والإصلاح المؤسسي والتزام حقيقي بالتنويع الاقتصادي. وحتى يتحقق ذلك، ستظل حظوظ البلاد مرتفعة أو منخفضة مع كل برميل نفط تنتجه.