دراسة ليبية تكشف تلوثًا بكتيريًا في مياه المساجد بتاجوراء وتدق ناقوس الخطر

26% من عينات المياه تحوي بكتيريا الإشريكية القولونية في مساجد ومراكز تحفيظ قرآن

كشفت دراسة علمية حديثة أجراها المركز الليبي المتقدم للتحاليل الكيميائية عن مستويات خطيرة من التلوث البكتيري في مصادر المياه المستخدمة في عدد من المساجد ومركز لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة تاجوراء شرق العاصمة طرابلس. وأظهرت الدراسة، التي حللت 38 عينة مياه جُمعت من 19 مسجدًا ومركز تحفيظ، أن 26% من العينات تحتوي على بكتيريا الإشريكية القولونية، مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري وفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية.

ونشر المركز الليبي المتقدم للتحاليل الكيميائية الورقة البحثية التي تحمل عنوان "تقييم جودة المياه المستخدمة في بعض المساجد ومركز تحفيظ القرآن بمنطقة تاجوراء"، بمشاركة الباحثة هند الخمائسي، وذلك في إطار الجهود المستمرة لتقييم جودة المياه الجوفية في المناطق الليبية المأهولة.

منهجية الدراسة ونطاقها

قام فريق البحث بجمع 38 عينة من المياه الجوفية من 19 مسجدًا ومركزًا لتحفيظ القرآن الكريم في نطاق بلدية تاجوراء. وخضعت كل عينة لفحوصات فيزيائية وكيميائية وميكروبيولوجية شاملة بهدف تقييم جودة المياه ومدى صلاحيتها للاستخدام البشري.

وجاء اختيار منطقة تاجوراء نظرًا لاعتمادها الكبير على مصادر المياه الجوفية، فضلًا عن كثافة المترددين على المساجد ومراكز التعليم الديني التي تستخدم هذه المياه يوميًا في الشرب والوضوء.

نتائج التحليل الكيميائي

أظهرت النتائج تباينًا كبيرًا في خصائص المياه بين المواقع التي شملتها الدراسة. وتراوحت مستويات الأس الهيدروجيني بين 6.89 و7.76، وهي ضمن الحدود المقبولة لمياه الشرب، إلا أن مؤشرات أخرى سجلت تجاوزات خطيرة للمعايير المعتمدة.

بلغت الموصلية الكهربائية 12,540 ميكروسيمنز لكل سنتيمتر، وهي أعلى بكثير من النطاق الطبيعي لمياه الشرب. كما تراوح إجمالي الأملاح الذائبة بين 478 و7,800 ملغم/لتر، مما يعكس تباينًا كبيرًا في جودة المياه بين المواقع المختلفة.

وسجلت الدراسة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات عسر المياه الكلي، حيث بلغت أعلى قيمة في مسجد موسى بن نصير عند 2,362 ملغم/لتر. كما ارتفعت تركيزات الصوديوم والبوتاسيوم والبيكربونات والكالسيوم، وهو ما يرجعه الباحثون إلى تسرب مياه البحر والأنشطة البشرية المحيطة بمصادر المياه الجوفية.

التلوث الميكروبيولوجي: خطر داهم على الصحة العامة

يعد الجانب الميكروبيولوجي الأكثر إثارة للقلق في هذه الدراسة. فقد أكدت النتائج أن 26% من عينات المياه تحتوي على بكتيريا الإشريكية القولونية، وهو مؤشر واضح على تلوث برازي وتهديد مباشر للصحة العامة. وتُصنف المياه التي تحمل هذه البكتيريا فوريًا على أنها غير صالحة للاستهلاك الآدمي وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية.

"يمثل وجود الإشريكية القولونية في مياه المساجد خطرًا صحيًا جسيمًا، خاصة على الأطفال وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة الذين يرتادون هذه المرافق بانتظام"، أوضح الباحثون في دراستهم.

ويمكن أن تسبب الإشريكية القولونية أمراضًا معوية حادة تشمل الإسهال وتشنجات البطن والقيء، وقد تؤدي في الحالات الحرجة إلى مضاعفات تهدد الحياة مثل متلازمة انحلال الدم اليوريمية.

دعوات عاجلة لمعالجة مصادر التلوث

دعت الدراسة السلطات المعنية وإدارة المساجد إلى التحرك الفوري لمعالجة مصادر التلوث. وشملت التوصيات تركيب أنظمة تعقيم وتنقية مناسبة، وإجراء مراقبة دورية ومنتظمة لجودة المياه، وتحديد مصادر التلوث والعمل على إزالتها من جذورها.

وأكدت الدراسة أن "صحة آلاف المصلين وطلاب حفظ القرآن الكريم تعتمد على توفر مياه نظيفة وآمنة"، داعية "السلطات البلدية في تاجوراء إلى إعطاء أولوية قصوى لهذه القضية وتنفيذ خطة منهجية لسلامة المياه".

وتسلط هذه النتائج الضوء على تحديات أوسع تواجه إدارة جودة المياه الجوفية في المناطق الحضرية الليبية، حيث تتفاقم المشكلة بسبب البنية التحتية المتقادمة، وتسرب مياه البحر، وعدم كفاية محطات المعالجة.

الدراسة إنذار يحمل الأمل

تعد هذه الدراسة تذكيرًا جادًا بالتحديات المستمرة التي تواجه قطاع المياه في ليبيا. فمع اعتماد العديد من المدن والقرى على المياه الجوفية غير المعالجة أو المعالجة جزئيًا، يظل خطر الأمراض المنقولة بالمياه مرتفعًا في عموم البلاد.

ويؤكد خبراء الصحة العامة أن ضعف مراقبة جودة المياه في المؤسسات الدينية والتعليمية يعرض الفئات الأكثر ضعفًا للخطر. وتقدم دراسة تاجوراء دليلًا ملموسًا على أن هذه التحذيرات في محلها، وتستوجب استجابة سياسية وعملية فورية.

ويأمل المراقبون في أن تمهد هذه الدراسة الطريق لإجراء تقييمات مماثلة في بقية البلديات الليبية، لبناء صورة وطنية شاملة عن جودة المياه في المرافق العامة، ووضع معايير وطنية ملزمة وبروتوكولات تدخل سريعة لحماية صحة الليبيين.

— ليبيا برس / مكتب الصحة