القوات المسلحة الليبية: جيش ممزق بين الوحدة والانقسام

تُعدّ القوات المسلحة الليبية واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تعقيداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تعكس حال الانقسام السياسي التي تعيشه ليبيا منذ أكثر من عقد من الزمن. فمنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011، لم تنجح البلاد في إعادة بناء جيش وطني موحد يضم تحت مظلته جميع أبناء الشعب الليبي.

جذور القوات المسلحة الليبية

تعود جذور المؤسسة العسكرية الليبية إلى عام 1951، حين نالت ليبيا استقلالها وتأسست المملكة الليبية بقيادة الملك إدريس السنوسي. تشكّل النواة الأولى للجيش من بقايا قوة العرب الليبية التي حاربت إلى جانب البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية. وقد تولّت بريطانيا والولايات المتحدة تدريب وتسليح الجيش الليبي في سنواته الأولى.

بعد انقلاب سبتمبر 1969 ووصول القذافي إلى 功率، تحوّلت ليبيا نحو الاتحاد السوفيتي للحصول على المساعدات العسكرية. وخاضت القوات المسلحة الليبية عدة حروب، أبرزها الحرب الليبية المصرية عام 1977 والصراع التشادي الليبي الذي امتد من عام 1978 إلى عام 1987.

الانهيار والانقسام

مع اندلاع الثورة الليبية في عام 2011 وسقوط نظام القذافي، تفككت القوات المسلحة الليبية بشكل كامل. وبرزت ميليشيات مسلحة متعددة ولاءاتها وأجنداتها، مما جعل إعادة بناء المؤسسة العسكرية مهمة شديدة الصعوبة.

بعد الحرب الأهلية الثانية، انقسمت القوات المسلحة إلى معسكرين رئيسيين: المعسكر الغربي في طرابلس الذي يقوده رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، والمعسكر الشرقي الذي يقوده المشير خليفة حفتر قائد ما يُسمى بالجيش الوطني الليبي.

الجيش الوطني الليبي في الشرق

يُقدَّر عدد عناصر الجيش الوطني الليبي الذي يتخذ من منطقة الرجمة شرق ليبيا مقراً له بنحو خمسة وثمانين ألف عنصر وفقاً لتقديرات عام 2020، ويضم في صفوفه نواة نظامية من نحو سبعة آلاف جندي مدرب، إلى جانب ميليشيات سلفية ومرتزقة أجانب. ويتبع المشير حفتر الذي عيّنه مجلس النواب في طبرق قائداً أعلى للقوات المسلحة في عام 2015.

يحظى المعسكر الشرقي بدعم عدة دول، من بينها مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا والسعودية، كما يرتبط بعلاقات مع مجموعة فاغنر الروسية. في المقابل، يواجه هذا المعسكر معارضة من الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس ومن تركيا وقطر.

القوات الحكومية في الغرب

تحتفظ الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس بالسيطرة الشكلية على ما يُسمى بالجيش الليبي، وهو في الواقع تحالف من ميليشيات مسلحة من مدن غربية أبرزها مصراتة وزوارة. كما تسيطر الحكومة على القوات البحرية وحرس السواحل في معظمها، بينما تنقسم قوات سلاح الجو بين المعسكرين.

حكومة الوحدة الوطنية التي تشكّلت في مارس عام 2021 برئاسة عبد الحميد الدبيبة سعت إلى توحيد المؤسسة العسكرية، إلا أن الانقسام استمر مع بروز حكومة الاستقرار الوطنية المنافسة بقيادة فتحي باشاغا في عام 2022.

التحديات الراهنة

تواجه القوات المسلحة الليبية تحديات جسيمة في الوقت الحاضر، أبرزها غياب القيادة الموحدة والفراغ في منصب رئيس الأركان، واستمرار وجود ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، فضلاً عن تدخلات أجنبية متعددة الأطراف تُعقّد المشهد الأمني.

يبقى الأمل معقوداً على الجهود السياسية الجارية لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وهو الشرط الأساسي لتحقيق الاستقرار الدائم في هذا البلد الغني بموارده الطبيعية وموقعه الاستراتيجي على سواحل البحر الأبيض المتوسط.