الاقتصاد الليبي المعتمد على النفط: نمو متسارع وسط تحديات هيكلية عميقة

يشهد الاقتصاد الليبي انتعاشاً حاداً خلال عام 2025، حيث يُتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 13.3 بالمائة بعد عام 2024 المضطرب الذي شهد أزمة حوكمة في مصرف ليبيا المركزي. ويُعزى هذا التعافي إلى عودة إنتاج النفط إلى مستوياته الطبيعية، حيث بلغ متوسط الإنتاج 1.3 مليون برميل يومياً بنهاية عام 2019، ولا يزال النفط يمثل العمود الفقري للإيرادات الوطنية. غير أنه على الرغم من هذا النمو الملحوظ، يظل الاقتصاد معتمداً بشكل خطير على الهيدروكربونات، مما يجعله عرضة لصدمات الأسعار وعدم الاستقرار السياسي الذي يعاني منه البلد منذ أكثر من عقد.

النفط يهيمن على المشهد الاقتصادي الليبي

يمثل قطاع النفط والغاز نحو 60 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي لليبيا، و93 بالمائة من الصادرات، و72 بالمائة من إيرادات الحكومة حتى عام 2024. وتمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، تُقدر بنحو 46.4 مليار برميل، مما يضعها ضمن أكبر عشر دول عالمياً من حيث الاحتياطي. وقد انضمت ليبيا إلى منظمة أوبك عام 1962، وأسفرت مبيعات النفط الخام تاريخياً عن واحد من أعلى معدلات نصيب الفرد من الناتج المحلي في القارة. وفي عام 2025، ارتفعت إيرادات النفط بنسبة 30 بالمائة، لتصل إيرادات الحكومة الإجمالية إلى 53.6 بالمائة من الناتج المحلي. ويُتوقع أن يبلغ متوسط الإنتاج 1.35 مليون برميل يومياً في عام 2026، مع خطط استثمارية تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2030.

استراتيجية البنك الدولي وتقييمات الخبراء

أعلن البنك الدولي عن استراتيجية دعم جديدة لليبيا في مطلع عام 2019، تركز على استعادة الخدمات الأساسية وتعزيز التعافي الاقتصادي كمساهمة في عملية السلام. وتولي الاستراتيجية الأولوية لبناء قدرات الحكومة في إدارة الأموال العامة مع تطوير القطاعين الخاص والمالي. ويشير الخبراء إلى أنه على الرغم من سنوات النزاع، لا تزال ليبيا تمتلك إمكانات هائلة لتطوير مواردها المستغلة وإعادة بناء الازدهار. غير أن التجزئة المؤسسية وإدارة الثروة النفطية المتنازع عليها وهشاشة القطاع الخاص تظل قيوداً هيكلية قائمة. ولا يمثل القطاع الخاص سوى 14 بالمائة من القوى العاملة، حيث يعاني من نقص الاستثمار وضعف البنية التحتية وهيمنة القطاع العام الكبيرة.

التحديات والطريق نحو التنويع

تظل الهشاشة الاجتماعية حادة، مع ضعف تقديم الخدمات في مجالات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، إلى جانب تفاوتات جغرافية صارخة ومعدلات بطالة مرتفعة. كما أن غياب ميزانية موحدة لعام 2025 والاعتماد على مخصصات مالية شهرية يواصلان تقييد الحوكمة الفعالة. وفي أبريل 2025، خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار لتضييق الفجوة مع السوق الموازي وحماية الاحتياطيات، وهو إجراء يهدف إلى استقرار العملة. ومن المتوقع أن يؤدي إنهاء نظام مقايضة النفط بالوقود في الشهر نفسه إلى تحسين الشفافية وتوجيه المزيد من الإيرادات عبر القنوات المصرفية الرسمية. وعلى صعيد المستقبل، يُتوقع أن يتراجع النمو إلى 4.5 بالمائة في عام 2026 و4.0 بالمائة في عام 2027، مع اعتبار إصلاحات ترشيد الدعم وكفاءة قطاع الطاقة وتحديث القطاع المالي ضرورية لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.

تقف ليبيا عند مفترق طرق: فثروتها النفطية الهائلة توفر أساساً للتعافي، لكن دون تنويع حقيقي وإصلاح مؤسسي ووحدة سياسية، من المرجح أن تستمر دورة الازدهار والانهيار التي سمّت تاريخ البلاد الحديث.