جهاز الأمن العام في ليبيا: ميليشيا في قلب المنظومة الأمنية المنقسمة في طرابلس

يُعد جهاز الأمن العام في ليبيا أحد أقوى التشكيلات المسلحة في البلاد، إذ يعمل كجهاز أمني حكومي يتبع وزارة الداخلية، بينما يمارس في الواقع دور الميليشيا ذات الجذور العميقة في صراعات ما بعد عام 2011. تأسس الجهاز في يوليو 2018 ويتّخذ من مصنع تبغ سابق في غوط الشعال بطرابلس مقراً رئيسياً له، ويسيطر على مناطق واسعة غرب العاصمة ويلعب دوراً محورياً في البنية الأمنية الليبية المجزأة. يعكس تحوّل هذا الجهاز من ميليشيا في ساحة المعركة إلى جهاز أمدعوم من الحكومة التحديات الأوسع التي تواجه ليبيا في سعيها لبناء مؤسسات وطنية موحدة.

النشأة والتركيبة

تطوّر جهاز الأمن العام من قوة العمليات الخاصة، التي استقت مقاتليها من كتيبة السواعق المهزومة - وهي جماعة مسلحة تتمركز في زنتان غرب طرابلس - إلى جانب مجندين جدد. أسّسه الرائد عماد الطرابلسي بعد هزيمة كتيبة السواعق على يد قوات فجر ليبيا. في يوليو 2018، أعادت حكومة الوفاق الوطني تسمية الجهاز رسمياً باسم "جهاز الأمن العام ومراكز الأمن" وعيّنت الطرابلسي قائداً له. سيطر الجهاز على عدة مناطق غرب طرابلس وأقام مقره الرئيسي في مبنى شركة التبغ العامة في غوط الشعال، حيث لا يزال قائماً حتى عام 2024. يعمل الجهاز إلى جانب مجموعات مسلحة رئيسية أخرى في طرابلس تشمل قوة الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب ووكالة الأمن الداخلية واللواء 444 قتال وجهاز دعم الاستقرار، وجميعها تتنافس على النفوذ والسيطرة على الأراضي داخل العاصمة.

انتهاكات حقوق حقوق الإنسان ومراكز احتجاز المهاجرين

اتهمت منظمات حقوق الإنسان الدولية الجهاز مراراً وتكراراً بارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري وإساءة معاملة المحتجزين. يرتبط الجهاز بشكل مباشر بإدارة مراكز احتجاز المهاجرين في طرابلس، ولا سيما مركز المعبّي، حيث وثّقت الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الدولية انتهاكات واسعة النطاق. تصف التقارير الاكتظاظ الشديد والعنف الجسدي والابتزاز والعمل القسري والقتل داخل هذه المراكز. في عام 2021، قُتل المهاجر الغيني عليو كاندي عندما أطلق الحراس النار على زنزانة مكتظة في المعبّي - وهو حادث أثار إدانة دولية لكنه لم يسفر عن أي محاسبة معروفة. جعل المشهد الأمني المجزأ في ليبيا والانقسامات السياسية المستمرة الرقابة المستقلة على هذه المرافق شبه مستحيلة، مما يترك المحتجزين دون أي سبيل يُذكر إلى العدالة.

التشرذم الأمني الأوسع والآفاق المستقبلية

يعمل جهاز الأمن العام ضمن منظومة أوسع من الجماعات المسلحة التي انتشرت منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011. في مرحلة معينة، كان هناك ما يُقدّر بثلاثين جماعة مسلحة تعمل في طرابلس وحدها؛ وبحلول منتصف عام 2017، سيطرت أربع فصائل رئيسية على العاصمة. وحّدت الحرب التي شنها اللواء خليفة حفتر على طرابلس بين عامي 2019 و2020 بعض هذه المجموعات مؤقتاً للدفاع عن المدينة، لكن التنافس على الأراضي والموارد استأنف بعد انتهاء القتال. يُبرز استمرار بروز جهاز الأمن العام التحدي الجوهري الذي تواجهه ليبيا: غياب قوات أمنية مهنية وموحدة قادرة على فرض سلطة الدولة. مع استمرار انقسام البلاد بين حكومتين متنافستين في طرابلس والشرق، واستمرار عمل الميليشيات المدعومة من الخارج دون محاسبة، تظل آفاق إصلاح قطاع الأمن الحقيقي بعيدة المنال. إلى أن يتفق الفاعلون السياسيون الليبيون على هيكل قيادة موحد وآليات محاسبة، ستستمر قوى مثل جهاز الأمن العام في العمل كحماة ومستبدين في المجتمعات التي تسيطر عليها.

إن قصة جهاز الأمن العام هي في نهاية المطاف قصة ليبيا ذاتها - دولة أصبحت فيها الحدود بين المؤسسات الحكومية والميليشيات المسلحة مبهمة بشكل دائم، ولا يزال وعد الاستقرار بعد الثورة غير محقق.