الانقسام الحضري في ليبيا: كيف أصبحت المجالس البلدية العمود الفقري للحكم

بعد أكثر من عقد من سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا عالقة في دورة من الانقسام السياسي والتنافس المؤسسي. ومع وجود ثلاث كيانات متنازعة تدعي السلطة الحكومية - لا يعترف إلا واحد منها من قبل الأمم المتحدة - انهكمش الحكم المركزي في هذا البلد الأفريقي الشمالي بشكل فعلي. وفي هذا الفراغ، برزت المجالس البلدية باعتبارها أكثر هيئات الحكم ثقة وشرعية، حيث تدخلت لتقديم الخدمات الأساسية والحفاظ على التماسك الاجتماعي عبر مجتمعات منقسمة بعمق.

التشرذم السياسي وصعود القوة المحلية

أدت الحرب الأهلية التي اندلعت في صيف عام 2014 إلى نزوح أكثر من 400 ألف ليبي داخل البلاد وتسببت في أضرار جسيمة بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك قطاع الطاقة الحيوي في البلاد. كما أن وجود ما يقدر بنحو 300 ألف أجنبي، بمن فيهم لاجئون ومهاجرون يسعون للعبور إلى أوروبا، زاد من الضغط على الموارد وأجج التوترات المجتمعية. وقد تم الإبلاغ عن القصف العشوائي للمناطق المدنية والإعدامات الميدانية والتعذيب في جميع أنحاء البلاد منذ عام 2014، مع توثيق انتهاكات خطيرة للقانون الدولي من قبل منظمات متعددة. وانتهت ولاية مجلس النواب المنتخب في يونيو 2014، بينما كافحت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة والتي تأسست في ديسمبر 2015 للحصول على الاعتراف الكامل أو السيطرة الفعلية.

في هذا المشهد المضطرب، لا تُمارَس السلطة من قبل سلطة مركزية بل من قبل فصائل مسلحة وتجمعات سياسية وشبكات قبلية ومجموعة من "دويلات المدن" التي تعمل كفاعلين رئيسيين بذاتها. ولا تزال المناطق التاريخية الثلاث - طرابلس في الشمال الغربي وبرقة في الشمال الشرقي وفزان في الجنوب - تشكل الهويات السياسية، حيث تستند حركات الاستقلال إلى مشاعر إقليمية عميقة الجذور من الحقبة الاستوعية وعصر القذافي.

المجالس البلدية: آخر شرعية منتخبة

مقارنة بغيرها من الفاعلين الحكوميين الرسميين وغير الرسميين، تحظى المجالس البلدية بأفضل تقييم من المواطنين الليبيين العاديين. وهي حالياً الهيئات الحكومية الوحيدة التي تحمل شرعية انتخابية، إذ نأت بنفسها إلى حد كبير عن الأزمة السياسية الوطنية. ويتزايد تبني الدبلوماسيين الغربيين والمنظمات غير الحكومية الدولية لنهج "المحلي هو الملك"، حيث يوجهون التمويل وبرامج بناء القدرات نحو المجالس المحلية باعتبارها المسار الأكثر جدوى لحل النزاعات والمصالحة. ويرى الخبراء أن البلديات في وضع فريد لضمان الاحتياجات الأساسية على المستوى المحلي ودفع التعافي الاقتصادي وتعزيز الحوار بين المجتمعات المنقسمة.

غير أن المحللين يحذرون من أن الإفراط في تمكين المجالس المحلية دون جهد مواز لإعادة بناء المؤسسات الوطنية يعمق خطر تشرذم ليبيا. كما أن "التسليح" الذي طال بعض المجالس البلدية، لا سيما في شرق ليبيا حيث يبلغ نفوذ الجنرال خليفة حفتر ذروته، يثير مخاوف بشأن قدرة الحكم المحلي على البقاء منصة محايدة للخدمة العامة أو أنه سيصبح ساحة أخرى للتنافس الفصائلي.

التحديات والطريق نحو المستقبل

لا يزال إيجاد التوازن الصحيح بين تعزيز الحكم المحلي واستعادة دولة وطنية فاعلة يمثل المعضلة المركزية للحكم في ليبيا. وتستمر شبكات التهريب - لا سيما تهريب الوقود على الحدود التونسية وعمليات الاتجار بالبشر من المدن الساحلية - في تقويض سلطة المؤسسات المحلية الشرعية وتغذية الاقتصادات الإجرامية. وتعكس التوترات الداخلية داخل المدن والبلدات في غرب ليبيا، التي لعب كثير منها أدواراً محورية في انتفاضة 2011، الصراع الوطني الأوسع على مستوى مصغر.

ولكي تتجه ليبيا نحو الاستقرار، يقول الخبراء إن تمكين البلديات يجب أن يقترن بإطار سياسي وطني ذي مصداقية. والدعم المستمر من المجتمع الدولي للحكم المحلي، رغم حسن نيته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن تسوية سياسية شاملة توحد المؤسسات الليبية المتنافسة وتعيد عقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.