الأزمة البيئية في ليبيا: تغير المناخ وتدهور الأراضي وخطة إنعاش بـ 5.8 مليون دولار

تغير المناخ يضرب ليبيا: من الفيضانات المميتة إلى التصحر

تواجه ليبيا أزمة بيئية متفاقمة تهدد أمنها المائي وقطاعها الزراعي ومجتمعاتها الساحلية. فمن الدمار الذي خلفته العاصفة دانيال في درنة في سبتمبر 2023، إلى التصحر المتسارع في الجنوب، تتصارع البلاد مع تحديات مناخية متعددة تزيد من تعقيد الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة. ويحذر خبراء البيئة من أن هذه الضغوط تخلق هشاشة بيئية متزايدة في جميع أنحاء البلاد.

مبادرة بقيمة 5.8 مليون دولار لاستعادة النظام البيئي

قدّم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدعم لليبيا للحصول على تمويل من مرفق البيئة العالمية لمشروع تبلغ قيمته 5.8 مليون دولار أمريكي، تحت عنوان "الإدارة المتكاملة لاستعادة النظام البيئي والإدارة المستدامة للأراضي والمياه لتعزيز العمل المناخي". ويُعد هذا المشروع أحد أكبر الاستثمارات البيئية الدولية في ليبيا خلال السنوات الأخيرة. كما تشارك ليبيا في مبادرة تمويل التنوع البيولوجي، التي تهدف إلى تطوير استراتيجيات تمويل مستدامة لجهود الحفاظ على البيئة وإدارة الموارد الطبيعية.

ندرة المياه: التحدي الأكثر إلحاحاً

تُصنف ليبيا من بين أكثر دول العالم معاناة من ندرة المياه، حيث تعتمد بشكل كبير على مشروع النهر الصناعي العظيم الذي ينقل المياه الأحفورية من طبقات المياه الجوفية في الصحراء الكبرى إلى المدن الساحلية. لكن هذا المورد محدود وهو في تناقص مستمر. وتشير التوقعات المناخية إلى انخفاض معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة في العقود المقبلة، مما سيزيد الضغط على إمدادات المياه. ويهدد الإفراط في استخراج المياه الجوفية، إلى جانب البنية التحتية المتقادمة والجفاف، إمدادات المياه في المناطق الحضرية والإنتاجية الزراعية في مختلف أنحاء البلاد.

التآكل الساحلي والتعرض للعواصف

يعيش أكثر من 90% من سكان ليبيا على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، الذي يواجه ارتفاعاً متزايداً في مستوى سطح البحر وتآكلاً مستمراً للشواطئ. لقد أظهرت العاصفة دانيال في عام 2023 العواقب المدمرة حين تسببت الفيضانات الهائلة في انهيار سدّين في درنة، مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا. وقد وضعت وزارة البيئة إدارة المناطق الساحلية على رأس أولوياتها، لكن قدرات الاستجابة الحالية لا تزال أقل بكثير من المطلوب لحماية البنية التحتية الساحلية من العواصف والتآكل.

تدهور الأراضي والتصحر في الجنوب الليبي

يتأثر ما يقدر بنحو 75% من الأراضي الليبية بتدهور التربة، مع تقدم التصحر بشكل مطرد في مناطق فزان وسبها والكفرة. وقد أدى الرعي الجائر والممارسات الزراعية غير المستدامة وتغير المناخ إلى تسريع تآكل التربة وانخفاض إنتاجية المراعي. وتعمل المشاريع التي يدعمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تعزيز الإدارة المستدامة للأراضي من خلال تحسين أنظمة الري وإعادة التشجير وإدارة الموارد الطبيعية بالتعاون مع المجتمعات المحلية، رغم أن عدم الاستقرار السياسي لا يزال يعرقل تنفيذ هذه التدخلات الحيوية على نطاق واسع.

تلوث الهواء والماء في المدن الكبرى

يتجاوز تلوث الهواء في طرابلس وبنغازي الحدود الآمنة التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، بسبب انبعاثات المركبات ومولدات الديزل والأنشطة الصناعية غير المنظمة. أما تلوث المياه الناجم عن مياه الصرف الصحي غير المعالجة والنفايات الصناعية، فيؤدي إلى تلويث المياه الجوفية والمياه الساحلية، مما يشكل مخاطر جسيمة على الصحة العامة. وقد أدى انهيار البنية التحتية لمحطات معالجة مياه الصرف الصحي خلال فترات النزاع إلى تفاقم هذه التحديات البيئية بشكل كبير.

الشراكات الدولية والطريق إلى الأمام

تعمل وزارة البيئة الليبية، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومرفق البيئة العالمية، على تطوير استراتيجيات متكاملة تربط العمل المناخي بأهداف التنمية المستدامة. وتتيح مشاركة ليبيا في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاقية التنوع البيولوجي فرصة الحصول على المساعدة الفنية والتمويل الدولي. وستساعد مبادرة تمويل التنوع البيولوجي في إنشاء آليات تمويل مستدامة للحفاظ على البيئة، مما قد يفتح الباب أمام موارد إضافية من صناديق المناخ الدولية.

الاستثمار في المرونة البيئية ليس مجرد خيار بيئي لليبيا، بل هو ضرورة وجودية ستحدد قدرة البلاد على الحفاظ على سكانها واقتصادها وتراثها الطبيعي للأجيال القادمة.

— ليبيا برس / مكتب البيئة