إقالة رئيس المخابرات الليبية تُفجّر أزمة دستورية وانقسامًا سياسيًا حادًا

صراع على السلطة بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب يهدد بزعزعة استقرار المؤسسات السيادية

دخلت ليبيا في أخطر أزمة حكم تشهدها منذ أشهر، بعد أن قرر المجلس الرئاسي إقالة رئيس جهاز المخابرات العامة، في خطوة أثارت انقسامًا سياسيًا حادًا كشف عن شروخ عميقة بين المؤسسات الرسمية المتنافسة، وأثار تساؤلات ملحة حول الإطار القانوني المنظم للتعيينات السيادية في البلاد.

وفي تطور لافت، بعث رئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح، برسالة عاجلة إلى رؤساء ومديري أجهزة المخابرات في الدول الصديقة والشقيقة، استعرض فيها الإطار القانوني المنظم لجهاز المخابرات الليبية، مؤكدًا أن أي تعيين أو إعفاء لرئيس الجهاز لا يكون نافذًا إلا بعد اعتماده من مجلس النواب في جلسة رسمية مكتملة النصاب بحضور ما لا يقل عن 120 نائبًا.

صالح يؤكد سلطة البرلمان المطلقة في تعيينات المخابرات

وأوضح صالح في رسالته أن مجلس النواب — بصفته السلطة التشريعية الشرعية الوحيدة — أقر منذ أكثر من ثلاث سنوات تعديلات جوهرية على التشريعات المنظمة لجهاز المخابرات الليبية. جاءت هذه التعديلات لتعزيز استقلالية الجهاز ومنع توظيفه لخدمة مصالح سياسية ضيقة، فضلًا عن وضع ضمانات قانونية تتعلق بإجراءات المساءلة والتحقيق للحيلولة دون استخدامها لأغراض كيدية أو سياسية.

وأشار رئيس مجلس النواب إلى أن القيادة الشرعية لجهاز المخابرات تستمد مشروعيتها من التشريعات النافذة والإجراءات الدستورية المعتمدة، مؤكدًا أن المؤسسة تواصل أداء مهامها من داخل الأراضي الليبية إلى حين استكمال بسط سلطة الدولة على كامل التراب الليبي، وفقًا لما نقلته صحيفة "مصر تليجراف".

الكوني ينفي بيان المجلس الرئاسي ويكشف خلافات داخلية

وتعمقت الأزمة عندما فجر نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني، جدلًا واسعًا بإعلانه رفضه القاطع للبيان الصادر باسم المجلس الرئاسي بشأن إعفاء رئيس جهاز المخابرات العامة. وأكد الكوني أن ما نُشر يتضمن "وقائع غير صحيحة ومنافية للواقع" ولم يحظَ بأي توافق أو إجماع قانوني داخل المجلس.

ونفى الكوني ما تردد عن غيابه عن الاجتماع، مؤكدًا أنه شارك فعليًا عبر تقنية "فيديو كونفرانس"، مشيرًا إلى أن الاجتماع شهد مناقشات موسعة حول تسمية رئيس جديد لجهاز المخابرات العامة ورئيس للأركان العامة، دون التوصل إلى أي اتفاق أو توافق.

وقال الكوني: "المجلس الرئاسي يمارس اختصاصاته كسلطة جماعية وفقًا للاتفاق السياسي، والقرارات المتعلقة بالمناصب السيادية لا تكتسب أي أثر قانوني إلا بعد مناقشتها واعتمادها جماعيًا وتوثيقها في محاضر رسمية معتمدة"، معتبرًا ما جرى مخالفة للمسؤولية المؤسسية ومضلّلًا للرأي العام.

تحديات أمنية وضغوط من جماعات مسلحة

ولفت صالح في رسالته إلى التحديات الأمنية التي واجهها جهاز المخابرات خلال الفترة الأخيرة، شملت اعتداءات على بعض مقاره، ووقائع مرتبطة بتهريب سجناء، إضافة إلى محاولات من جماعات مسلحة وجهات غير خاضعة للسلطة الشرعية للتأثير على قيادة الجهاز أو فرض تغييرات خارج الأطر القانونية.

من جهتها، أفادت "العنوان الليبية" أن صالح حذر من إقحام الأجهزة الأمنية والسيادية في التجاذبات السياسية، معتبرًا أن إثارة ملف تغيير رؤساء هذه المؤسسات في الظرف الراهن من شأنه تعميق الانقسام وإرباك المشهد السياسي وعرقلة الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة والوصول إلى الانتخابات.

تداعيات أوسع على المسار السياسي الليبي

يسلط هذا النزاع الضوء على التوتر المستمر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ليبيا، وكلاهما يطالب بالسلطة على التعيينات السيادية. ومع استمرار الانتخابات المعلقة وتجزئة مؤسسات الدولة، يهدد الصراع على جهاز المخابرات بمزيد من زعزعة الاستقرار في بلد لا يزال يتعافى من أكثر من عقد من النزاع.

وجدد صالح تأكيده أن حساسية المؤسسات الأمنية السيادية ومكانتها الوطنية تقتضي تحييدها عن الصراعات السياسية، بما يضمن استمرارها في أداء مهامها بمهنية واستقلالية، داعيًا جميع الأطراف إلى تغليب المصلحة الوطنية والامتناع عن اتخاذ إجراءات أو قرارات غير مدروسة تمس هذه المؤسسات.

ستحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت المؤسسات الليبية قادرة على إيجاد مسار قانوني لتجاوز هذه الأزمة، أو ما إذا كانت البلاد تنزلق إلى شلل مؤسسي أعمق في وقت تشتد فيه الحاجة إلى حكم موحد يُنقذ ليبيا من المجهول.

— ليبيا برس / مكتب السياسة