النفط يدفع الاقتصاد الليبي نحو النمو المالي رغم تحديات البطالة

قطاع النفط الليبي يحقق انتعاشاً اقتصادياً ملحوظاً في 2025 مع ارتفاع عائدات الهيدروكربونات بنسبة 33%

تواصل ليبيا اعتمادها الكبير على صناعتها النفطية باعتبارها المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن البنك الدولي والسلطات المالية الليبية. وفي حين ترسم الأرقام صورة واعدة للتعافي، فإن البطالة المستمرة وغياب التنويع الاقتصادي يظلان عقبتين هيكليتين كبيرتين أمام الاستقرار المستدام.

ارتفاع عائدات النفط يتحدى الاتجاهات العالمية

على الرغم من تراجع أسعار النفط العالمية خلال عام 2025، سجلت عائدات الهيدروكربونات في ليبيا ارتفاعاً بنسبة 33%، وهو أداء لافت يتحدى التوقعات. ويعود هذا النمو إلى عاملين رئيسيين: الزيادة المطردة في أحجام إنتاج الخام، وانخفاض قيمة الدينار الليبي في أبريل 2024 الذي عزز العائدات المحلية من مبيعات النفط المقومة بالدولار.

وفرّت هذه الإيرادات المتزايدة لحكومة الوحدة الوطنية مساحة مالية مهمة لتمويل الأجور العامة والدعم ومشاريع البنية التحتية. غير أن الاقتصاديين يحذرون من أن استمرار الاعتماد على عائدات النفط يجعل الميزانية العامة عرضة لصدمات الأسعار الخارجية.

قطاع النفط: العمود الفقري للاقتصاد

تمتلك ليبيا أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في أفريقيا، حيث يمثل القطاع النفطي نحو 95% من عائدات التصدير وحوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي. ونجحت المؤسسة الوطنية للنفط في الحفاظ على مستويات إنتاج تتجاوز 1.2 مليون برميل يومياً طوال معظم عام 2025، رغم الاضطرابات السياسية الدورية وتقادم البنية التحتية.

تشمل أبرز التطورات في هذا القطاع:

  • إعادة التشغيل الناجح للعديد من حقول النفط المتوقفة في حوض سرت
  • إتمام أعمال الصيانة في مصفاة الزاوية مما حسّن إمدادات الوقود المحلي
  • مفاوضات مع شركات النفط العالمية لتطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز
  • زيادة الاستثمار في تأمين محطات التصدير وسلامة خطوط الأنابيب

ويرى خبراء الصناعة أن هذه الجهود ساعدت في الحفاظ على الطاقة الإنتاجية، لكن استثمارات رأسمالية كبيرة لا تزال مطلوبة لعكس سنوات من نقص التمويل وتدهور البنية التحتية.

البطالة: التحدي الهيكلي الذي لم يُحل

رغم مؤشرات النمو الاقتصادي الإيجابية، لم تنعكس هذه المكاسب في خلق فرص عمل واسعة النطاق. ولا يزال معدل البطالة في ليبيا من بين الأعلى في المنطقة، ويطال بشكل خاص فئتي الشباب والنساء. وقد بلغ القطاع العام، المشغل التاريخي الأكبر، مرحلة التشبع، بينما لا يزال القطاع الخاص خارج قطاع النفط متخلفاً.

ومن أبرز المشكلات الهيكلية عدم التوافق بين مخرجات نظام التعليم واحتياجات سوق العمل. إذ يدخل العديد من الشباب الليبي سوق العمل بمؤهلات لا تتلاءم مع الوظائف المتاحة، في حين تشهد المهارات التقنية والمهنية نقصاً حاداً.

البنك الدولي يدعو إلى إصلاحات هيكلية شاملة

في تقرير صدر في ديسمبر 2025 بعنوان "ليبيا: النمو القوي المستدام يتطلب تغييراً هيكلياً"، شدد البنك الدولي على أن النمو المعتمد على النفط وحده لا يكفي لتحقيق الرخاء طويل المدى. ودعا التقرير إلى إصلاحات جوهرية في ثلاثة مجالات:

  • تعزيز الشفافية وإدارة المالية العامة للحد من الهدر والفساد
  • تنويع الاقتصاد عبر تطوير القطاع الخاص في الزراعة والصناعة والخدمات
  • تحسين حوكمة المؤسسات المملوكة للدولة، ولا سيما المؤسسة الوطنية للنفط

وأكد التقرير أن تحسين الشفافية في تنفيذ الميزانية والمشتريات الحكومية يمكن أن يطلق قيمة كبيرة ويعيد بناء ثقة المواطنين في المؤسسات العامة.

مستقبل الاقتصاد الليبي بين الفرص والتحديات

سيتحدد المسار الاقتصادي لليبيا في 2026 وما بعده بقدرة الحكومة على استثمار العائدات النفطية الحالية كنقطة انطلاق نحو التنويع الاقتصادي المنشود. فبدون سياسات مدروسة، تخاطر البلاد بالبقاء في دائرة التبعية النفطية المتقلبة، حيث يمكن لأي انخفاض في الأسعار أن يمحو المكاسب المالية بسرعة.

تتضمن المؤشرات الإيجابية زيادة تدريجية في نشاط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة. لكن رواد الأعمال ما زالوا يواجهون عقبات تشمل محدودية الوصول إلى التمويل، والروتين البيروقراطي، وعدم استقرار الإطار القانوني.

ويواصل مصرف ليبيا المركزي الحفاظ على استقرار نقدي نسبي، رغم أن التضخم لا يزال يشكل همّاً للمواطنين. وتسعى سياسة الصرف الأجنبي للبنك إلى الموازنة بين دعم القدرة التنافسية للصادرات ومخاطر ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

يقف الاقتصاد الليبي اليوم عند مفترق طرق حاسم. فالعوائد النفطية غير المتوقعة تمنح فرصة نادرة للاستثمار في البنية التحتية والتعليم والأطر التنظيمية اللازمة لبناء اقتصاد أكثر مرونة وشمولاً. وستحدد كيفية استغلال هذه الفرصة مسار البلاد الاقتصادي لجيل كامل.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد