هيمنة النفط وصعود الخردة: تحولات جذرية في التجارة التركية العراقية

كشفت بيانات حديثة صادرة عن مركز التحليل التجاري العالمي والذكاء الاقتصادي أن واردات تركيا من نفايات النحاس والخردة القادمة من العراق ارتفعت بأكثر من ألف بالمئة خلال عام ألفين وخمسة وعشرين، لتصل إلى واحد وستين مليونًا ومئة وستين ألف دولار أمريكي. هذه القفزة المذهلة تعكس تحولات جذرية في ديناميكيات التجارة الثنائية بين أنقرة وبغداد، حتى في ظل انكماش حجم التبادل التجاري الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين ألفين وعشرين وألفين وخمسة وعشرين.

وحسب التحليل الشامل الذي أصدره المركز لمراجعة التجارة على مدى خمس سنوات متتالية، فإن المنتجات النفطية ومشتقاتها حافظت على هيمنتها الساحقة على بنية التبادل التجاري بين البلدين، في الوقت الذي سجلت فيه القطاعات الثانوية كالمعادن الخردة أعلى معدلات النمو. وقد نمت حصة العراق السوقية من إجمالي واردات تركيا من خردة النحاس بنحو ثمانمئة وواحد وأربعين بالمئة خلال الفترة ذاتها.

النفط يظل العمود الفقري للتجارة الثنائية

رغم جهود التنويع الاقتصادي المبذولة على الجانبين، لا تزال المنتجات البترولية والغازية تشكل الغالبية العظمى من قيمة التبادل التجاري بين تركيا والعراق طوال فترة الأعوام الخمسة الأخيرة. فالعراق، باعتباره من أكبر منتجي النفط في العالم، يواظب على تزويد الأسواق التركية بالطاقة، بينما تتدفق البضائع المصنعة التركية ومواد البناء والمنتجات الزراعية جنوبًا في المقابل.

وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الأخير نظرة مستقبلية على الطاقة في العالم لعام ألفين وخمسة وعشرين أن الحكومات في المنطقة لا تزال تواجه مجموعة هائلة من التهديدات ونقاط الضعف والتبعيات والمخاوف المتعلقة بسلاسل إمداد النفط والغاز الطبيعي. وهذا السياق يعزز المكانة المحورية للنفط في العلاقات التجارية عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك الممر التجاري التركي العراقي.

أبرز الأرقام التجارية: من ألفين وعشرين إلى عشرة وعشرين في لمحة

  • ارتفعت واردات خردة النحاس من العراق إلى تركيا بأكثر من ألف بالمئة في عام ألفين وخمسة وعشرين، محققة قيمة بلغت سبعة وستين مليونًا ومئة وستين ألف دولار.
  • نمت حصة العراق السوقية من واردات تركيا من خردة النحاس بنسبة ثمانمئة وواحد وثلاثين وتسعة وأربعين بالمئة خلال الفترة ذاتها.
  • انكمش إجمالي قيمة التجارة الثنائية رغم النمو الملحوظ في قطاعات سلعية محددة كالمعادن والمواد الخام.
  • يُتوقع أن يتوسع سوق المعادن الخردة عالميًا إلى نحو مئة وخمسين مليار دولار بحلول عام ثلاثمئة وخمسة وثلاثين.
  • تحتل المعادن الحديدية المرتبة الأولى بحصة متوقعة تبلغ اثنين وسبعين بالمئة ونصف بالمئة.
  • يمثل قطاع البناء والتشييد نحو ستة عشر بالمئة من الطلب النهائي على المعادن الخردة.

خبراء التجارة يشيرون إلى تحولات هيكلية

يعكس النمو المتسارع في تجارة المعادن الخردة تحولات بنيوية أعمق في الاقتصادين. فقد أوجدت طفرة البناء والتوسع الصناعي في تركيا طلبًا مستدامًا على المعادن المعاد تدويرها، بينما ولّدت إعادة الإعمار في العراق وهدم البنى التحتية القديمة حجمًا متزايدًا من المعدن القابل للتصدير.

وأشار محللون اقتصاديون في مبادرة البنك الدولي للبيانات المفتوحة إلى أن تجارة الخردة بين تركيا والعراق تمثل نموذجًا كلاسيكيًا للاقتصاديات التكاملية، فبلد يمتلك المادة الخام والآخر يمتلك القدرة الصناعية. وتوحي هذه الأرقام بأن العلاقات القطاعية العميقة تتوطد حتى حين تتأرجح أرقام التجارة الرئيسية بسبب تقلبات أسعار النفط العالمية.

لماذا يهم هذا الأمر ليبيا وشمال أفريقيا

بالنسبة لصانعي السياسات وقادة الأعمال في ليبيا، يقدم تطور التجارة التركية العراقية دروسًا بالغة الأهمية. فليبيا، شأنها شأن العراق، تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة لكنها تواجه ضغوطًا متزايدة للتنويع الاقتصادي. ويُظهر النمو الانفجاري لقطاع المعادن الخردة كيف يمكن للدول الغنية بالموارد أن تطور صناعات ثانوية مربحة حول إعادة تدوير النفايات الصناعية وإعادة تصدير السلع.

ويمكن لليبيا أن تستفيد من شراكات مماثلة وأن تتحول إلى مركز إقليمي لإعادة تدوير المعادن.

المستقبل: نمو مستمر متوقع في قطاع المعادن الخردة

تتوقع توقعات القطاع الصناعي من مؤسسة المستقبل لرؤية الأسواق أن سوق المعادن المعاد تدويره العالمي سيتضاعف تقريبًا بحلول عام ثلاثمئة وخمسة وثلاثين، مدفوعًا بمتطلبات الاستدامة البيئية والتوسع العمراني المتسارع وارتفاع تكاليف استخراج المعادن الأولية. وبالنسبة للممر التجاري التركي العراقي، يشير ذلك بقوة إلى أن حصة المعادن الخردة السوقية ستواصل النمو المطّرد جنبًا إلى جنب مع المنتجات النفطية.

ومع سعي البلدين الحثيث لمواجهة ضغوط التحول الطاقوي وتحديث القطاع الصناعي، تبدو العلاقة التجارية الثنائية مستعدة لمرحلة جديدة من التنويع والتعمق. وينبغي لأصحاب المصلحة في شمال أفريقيا، وخصوصًا في ليبيا، متابعة هذه التوجهات عن كثب، إذ أصبحت صناعة عالمية تُعيد رسم خريطة طرق التجارة.