تعزيز الاستثمار الوطني والإصلاح الإداري: خارطة طريق التعافي الاقتصادي في ليبيا

ليبيا ترسم مسار التعافي عبر الاستثمار والإصلاح والعدالة الاقتصادية

يمر الاقتصاد الليبي، الذي طالما عانى من عدم الاستقرار السياسي والتفتت المؤسسي، بنقطة تحول حاسمة. فقد برزت ثلاث ركائز أساسية لأي انتعاش مستدام: تشجيع الاستثمار الوطني، وإصلاح الإدارة العامة، وضمان العدالة الاقتصادية. وتعكس هذه الأولويات الاحتياجات الملحة للشعب الليبي والتحديات الهيكلية التي أعاقت النمو لأكثر من عقد من الزمن.

اقتصاد ليبيا: عقد من الفرص الضائعة

منذ عام 2011، شهدت ليبيا دورات متكررة من الصراع والجمود السياسي وتعطل إنتاج النفط. ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 60% بين عامي 2013 و2020 بالقيمة الحقيقية. وقد أدى التضخم إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، في حين واجهت رواتب القطاع العام—التي لا تزال المصدر الرئيسي لدخل معظم الليبيين—تأخيرات متكررة وانخفاضاً في قيمة العملة. وتتجاوز معدلات البطالة بين الشباب 40%، مما يزيد الإحباط العام ويؤكد الحاجة الملحة إلى إصلاح اقتصادي شامل.

الاستثمار الوطني: إطلاق العنان لإمكانات ليبيا

تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، إلى جانب موقع استراتيجي على البحر الأبيض المتوسط وسكان من الشباب الطموح. غير أن إطلاق هذه الإمكانات يتطلب استثماراً وطنياً مدروساً يتجاوز قطاع الهيدروكربونات. وتشكل البنية التحتية أولوية بالغة الأهمية، إذ عانت الطرق والموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء من سنوات من نقص الاستثمار والصراعات. ويقدر البنك الدولي أن ليبيا تحتاج إلى أكثر من 100 مليار دولار لاستعادة بنيتها التحتية. وقد أبدى شركاء دوليون اهتماماً مشروطاً بتمويل هذه المشاريع، لكن التقدم يتطلب استقراراً إدارياً وأطراً شفافة.

ويعد الاستثمار في رأس المال البشري أمراً حيوياً بنفس القدر. فقد تعطل نظام التعليم في ليبيا لسنوات، مما خلق فجوة في المهارات بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. ويمكن للتدريب المهني والتعليم التكنولوجي ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن يساعد في سد هذه الفجوة. ولا تزال هذه المؤسسات متخلفة بسبب محدودية الوصول إلى الائتمان والعقبات التنظيمية والمخاوف الأمنية.

الإصلاح الإداري: ضرورة الحوكمة الرشيدة

يُعد الإصلاح الإداري شرطاً أساسياً لتحقيق التعافي الاقتصادي، وفق ما يجمع عليه المراقبون. فقد وصف مراقبون دوليون الإدارة العامة في ليبيا بأنها متضخمة ومبهمة وغير فعالة. تستهلك فاتورة أجور القطاع العام حصة كبيرة من الميزانية الوطنية، ومع ذلك لا يزال تقديم الخدمات في الصحة والتعليم والبلديات ضعيفاً. وتشمل أولويات الإصلاح تحديث الخدمة المدنية، وتطبيق التوظيف على أساس الكفاءة، وتقليل الحواجز البيروقراطية أمام نشاط القطاع الخاص.

ويمكن للتحول الرقمي للخدمات الحكومية أن يحد بشكل كبير من الفساد ويحسن الكفاءة. وتشكل اللامركزية بعداً رئيسياً آخر—فتعزيز الحكم المحلي من خلال تحويلات مالية واضحة وآليات للمساءلة سيمكن المجتمعات المحلية من قيادة أولوياتها التنموية بنفسها.

العدالة الاقتصادية: التوزيع العادل لتحقيق الاستقرار

تظل العدالة الاقتصادية الأولوية الأكثر حساسية من الناحية السياسية. فجميع الليبيين، من مختلف الأطياف، يتفقون على أن ثروة البلاد لم تُوزع بعدالة. لقد اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتشكو المناطق خارج الشمال الغربي منذ فترة طويلة من الإهمال في تخصيص الميزانيات. وتتطلب معالجة هذه المشكلة عمليات موازنة شفافة، وتوزيعاً عادلاً لعائدات النفط، وشبكات أمان اجتماعي تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً. كما تواجه النساء والشباب عوائق خاصة—إذ تقل نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة عن 30%، وهي واحدة من أدنى المعدلات في شمال أفريقيا.

المسار إلى الأمام

يتمثل التحدي الأكبر أمام صناع القرار في ليبيا في ترتيب أولويات الإصلاحات وبناء الإجماع السياسي اللازم لتنفيذها. لقد تعثرت جهود سابقة ليس بسبب سوء الأفكار، بل بسبب التنافسات السياسية والتشرذم المؤسسي. ومن شأن اتباع نهج تدريجي يبدأ بمكاسب سريعة—مثل الخدمات الحكومية الرقمية ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة—أن يبني الزخم اللازم لإصلاحات أعمق. ويمكن للشركاء الدوليين تقديم المساعدة الفنية والتمويل بشروط، لكن الدافع الأساسي يجب أن يأتي من القيادة والمؤسسات الليبية.

في نهاية المطاف، لا يشكل الاستثمار والإصلاح والعدالة أولويات متنافسة، بل هي ركائز متكاملة. فالاستثمار يوفر الموارد اللازمة للإصلاح، والإصلاح يخلق الظروف الملائمة للاستثمار، والعدالة الاقتصادية تبني الإجماع الاجتماعي الذي يدعم كليهما. بالنسبة لليبيين الذين تحملوا سنوات من المشقة، فإن المستقبل الأكثر ازدهاراً وإنصافاً ليس مجرد هدف اقتصادي—بل هو توقع أساسي وحق مشروع.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد