حماية الاقتصاد الوطني: كيف فرضت حالة الضرورة أدواراً استثنائية على المصرف المركزي في ليبيا

عضو لجنة السياسة النقدية أيوب الفارسي يوضح أن إجراءات الإنقاذ التي اتبعها المركزي كانت استثنائية، وحان وقت العودة إلى الأطر المؤسسية السليمة

في تحليل معمق نشرته صحيفة صدى، تناول عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي أيوب الفارسي أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المشهد المالي الليبي: هل تجاوز المصرف المركزي صلاحياته خلال سنوات الانقسام السياسي، أم أنه قام بما هو ضروري لمنع الانهيار الاقتصادي؟

يقدم مقال الفارسي، الذي يحمل عنوان "حماية الاقتصاد الوطني: كيف فرضت حالة الضرورة أدواراً استثنائية على المصرف المركزي"، تقييماً صريحاً للدور الموسع الذي لعبه المصرف المركزي خلال فترة الانقسام الحكومي في ليبيا، ويؤكد أن الوقت حان لاستعادة الحدود المؤسسية الصحيحة.

وزارة المالية هي صاحبة الاختصاص الأصيل

يؤكد الفارسي في بداية مقاله مبدأ واضحاً: وزارة المالية هي الجهة الدستورية المختصة بإدارة الميزانية والإفصاح المالي. ويشدد على أن تحرك المصرف المركزي الأخير لنقل مسؤوليات النشر المالي إلى الوزارة ليس "تهرباً" من المسؤولية، بل خطوة ضرورية لإعادة الأمور إلى نصابها المؤسسي الصحيح.

ويقول الفارسي: "هناك اتفاق على أن وزارة المالية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في إدارة الميزانيات، والنشر المالي هو اعتراف بالأساس القانوني السليم الذي يجب أن تسير عليه الدولة. موقف المصرف المركزي الأخير لا يأتي من باب التنصل، بل هو خطوة ضرورية لإعادة الأمور إلى نصابها المؤسسي الصحيح."

حالة الضرورة والإجراءات الاستثنائية

خلال ذروة الانقسام السياسي في ليبيا، ومع وجود حكومات متنافسة وغياب الميزانية الموحدة، وجد المصرف المركزي نفسه أمام فراغ مؤسسي. فقام بتنسيق الترتيبات المالية وتسهيل اتفاقيات الإنفاق الموحد لضمان استمرار صرف المرتبات وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

ويلفت الفارسي إلى أن هذه الإجراءات كانت استثنائية ولم تكن يوماً مقصوداً لها أن تصبح قاعدة دائمة. ويوضح: "رعاية المصرف المركزي لترتيبات مالية أو اتفاقيات إنفاق موحد لم تكن رغبة في التغول على اختصاصات وزارة المالية، بل كانت إجراءات استثنائية فرضتها حالة الضرورة القصوى لمنع الانهيار المالي الناتج عن الانقسام الحكومي."

ويصف هذه التدخلات بأنها كانت "جسوراً" مؤقتة لضمان الاستقرار، وليست استيلاء دائم على السلطة.

التدفقات النقدية ليست ميزانيات تفصيلية

يطرح الفارسي نقطة جوهرية في مقاله، وهي الفرق بين بيانات التدفقات النقدية والمحاسبة المالية التفصيلية. فالمصرف المركزي يتعامل مع التدفقات النقدية الداخلة والخارجة ، لكنه لا يعد قيوداً محاسبية أو ميزانيات قطاعية تفصل أوجه الصرف الفعلي ومستنداته القانونية.

ويقول: "نشر بيانات شاملة ومصنفة بشكل دقيق هو وظيفة مالية بحتة، واستمرار المصرف المركزي في تصدر هذا المشهد يكرس العشوائية المؤسسية بدلاً من علاجها." ويؤكد أن هذه المسؤولية تقع حصراً على وزارة المالية والجهات الرقابية المختصة.

رسوم النقد الأجنبي والسياسة النقدية

تطرق الفارسي أيضاً إلى المقترحات المتعلقة بفرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي، وهي إجراءات تُفسر خطأً أحياناً على أنها ضرائب. ويشرح أن هذه الأدوات تقع في صلب السياسة النقدية ومسؤولية الدفاع عن قيمة العملة الوطنية وكبح التضخم عند فشل السياسات المالية في السيطرة على الإنفاق العام.

ويشير إلى أن هذه أدوات معترف بها عالمياً في ظروف الأزمات الهيكلية، وأن النقاش الحقيقي لا يدور حول صحة هذه الإجراءات من عدمها، بل حول الاختصاص والإجراءات السليمة.

تصحيح المسار يبدأ اليوم

يختتم الفارسي مقاله بدعوة واضحة: التدخلات السابقة للمصرف المركزي كانت إسعافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في غياب الميزانيات الموحدة. أما اليوم، فإن التمسك بضرورة قيام وزارة المالية بدورها في نشر البيانات وحوكمة الإنفاق هو بداية التصحيح الفعلي للمسار والعودة إلى دولة القانون والمؤسسات.

"الاستمرار في الخطأ الاستثنائي وجعله قاعدة دائمة لا يبني دولة"، يحذر الفارسي. "العودة إلى سيادة القانون والمؤسسات — ذلك هو الطريق الصحيح."

يعكس هذا المقال نقاشاً داخلياً متزايداً داخل المؤسسات المالية الليبية حول التوازن بين البراغماتية والنزاهة المؤسسية. ومع تحرك ليبيا نحو مزيد من الاستقرار السياسي، يبقى السؤال حول من يسيطر على المالية العامة — وتحت أي تفويض — محورياً لمستقبل الاقتصاد الليبي.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد