الهيئات الحاكمة في طرابلس تتفق على إجراء انتخابات خلال ثمانية أشهر

خارطة طريق طال انتظارها لمستقبل ليبيا السياسي

ثمانية أشهر فقط تفصل ليبيا عن استحقاق انتخابي تاريخي. في الثامن عشر من يونيو عام 2026، اتفقت الهيئات الحاكمة الرئيسية في البلاد على خارطة طريق تهدف إلى إنهاء الفترة الانتقالية الطويلة وتوحيد المؤسسات المنقسمة. يُمثّل هذا الاتفاق نقطة تحول محتملة لوطن عانى أكثر من عقد من التفكك السياسي وانعدام الاستقرار منذ سقوط النظام السابق.

جاء الإعلان المشترك بعد مشاورات مكثفة بين ثلاث كيانات حاكمة رئيسية في ليبيا. يُشير هذا التطور إلى توافق نادر بين أخصام سياسيين كثيراً ما تصادموا حول مسار البلاد. ويقول محللون إن خارطة الطريق قد تعيد رسم مسار ليبيا إذا نُفّذت وفق الجدول الزمني المحدد.

الأطراف الفاعلة وراء الاتفاق

توصّل إلى هذا الاتفاق رؤوس كل من مجلس النواب الليبي والمجلس الرئاسي ومجلس الدولة الأعلى — وهي الهيئات الثلاث التي مارست السلطة السياسية في البلاد خلال مرحلتها الانتقالية. وأكد القادة في بيان مشترك صدر يوم الخميس الموافق الثامن عشر من يونيو أن خارطة الطريق تعالج المتطلبات الدستورية والقانونية واللوجستية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وأعاد البيان التأكيد الالتزام بالإعلان الدستوري الليبي والاتفاق السياسي الليبي وتعديلاته باعتبارها الإطار القانوني الأساسي المنظّم للمرحلة الانتقالية. ويراقب مراقبون دوليون بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا المفاوضات عن كثب. ووصف مسؤولون المهلة المحددة بثمانية أشهر بأنها واقعية لكنها طموحة وتتطلب إجراءات سريعة بشأن تسجيل الناخبين والترتيبات الأمنية واستكمال القانون الانتخابي.

خطوات جوهرية في خارطة الطريق الانتخابية

  • استكمال قانون انتخابي موحّد يُوفّق بين الخلافات بين الكتل البرلمانية في الشرق والغرب.
  • إطلاق حملة شاملة لتسجيل الناخبين تستهدف ما بين خمسة وستة ملايين مواطن ليبي مؤهل.
  • إنشاء مفوضية عليا مستقلة للانتخابات تحت إشراف هيئات رصد دولية.
  • تنسيق أمني بين الفصائل المسلحة المتنافسة لضمان إجراء اقتراع آمن في جميع المناطق الليبية.
  • التحضير لاستفتاء دستوري لتسوية مسائل الحوكمة الخاضعة للنزاع قبل الانتخابات البرلمانية.
  • حشد الدعم التقني والمالي الدولي عبر الأمم المتحدة وشركاء الاتحاد الأوروبي.

لماذا يهمّ هذا الاتفاق الآن؟

لقد اتسم المشهد السياسي الليبي بتنافس الحكومات والتدخّل الأجنبي وتعطّل المسارات الديمقراطية منذ عام 2011. وكثيراً ما كانت ثروة البلاد النفطية — الأكبر من حيث الاحتياطيات المؤكدة في أفريقيا — مصدراً للنزاع بدلاً من أن تكون مصدر ازدهار. وقد انهارت المحاولات الانتخابية السابقة المقرّرة في ديسمبر 2021 في اللحظة الأخيرة بسبب خلافات حول المرشحين واختلافات قانونية. ويسعى هذا الاتفاق الجديد إلى التعلّم من تلك الإخفاقات عبر وضع جداول زمنية أكثر وضوحاً والتزامات ملزمة من الهيئات الحاكمة الثلاث جميعاً.

وبحسب تقارير وكالة فرانس برس ووكالات الأنباء الدولية، تتضمّن خارطة الطريق آليات للمساءلة والمتابعة مع استعراض دوري للتقدم يُجرى كل ستين يوماً. ويُعالج هذا النهج المنظّم أحد أبرز الانتقادات الموجّهة للاتفاقيات السياسية السابقة في ليبيا التي غالباً ما افتقرت إلى آليات الإنفاذ والمواعيد النهائية.

المجتمع الدولي يردّ بتفاؤل حذر

جاءت ردود الفعل الدولية متفائلة بحذر. وحثّت عدة دول ومنظمات الجهات الليبية على الإسراع في تنفيذ الجدول الزمني المتفق عليه. وقد دافعت الأمم المتحدة طويلاً عن الانتخابات باعتبارها السبيل الوحيد المشروع نحو حكومة ليبية موحّدة. كما أعرب شركاء إقليميون من بينهم مصر وتونس والجزائر عن دعمهم لخارطة الطريق مع التأكيد على أن الملكية الليبية للعملية أمر جوهري.

وأشارت مؤسسات مالية ومقرضون دوليون إلى أن إجراء انتخابات ناجحة قد يفتح الباب أمام مليارات الدولارات من تمويل إعادة الإعمار المتوقف حالياً بسبب الغموض السياسي في ليبيا. وقد أشار كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن حكومة منتخبة وذات شرعية ستكون ضرورية لبرامج الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي.

تحديات جسيمة في الطريق

على الرغم من التوافق التاريخي، لا تزال عقبات كبيرة قائمة. فالمشهد الأمني الليبي لا يزال مفككاً حيث تسيطر ميليشيات مسلحة على مساحات شاسعة وتعمل في الغالب بمعزل عن السلطة المركزية. وتُمثّل سلامة الناخبين وتأمين مراكز الاقتراع التحديات اللوجستية الأكثر إلحاحاً. علاوة على ذلك، قد تعود الخصومات السياسية العميقة بين الفصائل الشرقية والغربية إلى السطح خلال مرحلتي تسجيل المرشحين والحملات الانتخابية.

وتُشكّل البنية التحتية للبلاد عقبة إضافية. فقد أدت سنوات من النزاع إلى تدمير الطرق وشبكات الاتصالات والخدمات العامة في مناطق عديدة مما يعقّد عملية تسجيل الناخبين وتوزيع بطاقات الاقتراع. ويلاحظ مراقبون أن المساعدة التقنية الدولية ستكون حاسمة في تجاوز هذه العوائق اللوجستية ضمن المهلة الضيقة البالغة ثمانية أشهر.

ماذا ينتظر ليبيا في المرحلة المقبلة؟

ستكون الأسابيع القادمة حاسمة. ومن المتوقع أن تشكل الهيئات الحاكمة الثلاث لجنة فنية مشتركة خلال أربعة عشر يوماً لبدء صياغة القانون الانتخابي. وإذا التُزم بهذا الجدول الزمني، فقد يتوجه الليبيون إلى صناديق الاقتراع في مطلع عام 2027 — في أول انتخابات وطنية منذ سنوات تحمل إمكانية حقيقية لإنتاج حكومة موحّدة وذات شرعية. وللملايين من المواطنين الليبيين الذين انتظروا أكثر من عقد من الزمن من أجل حوكمة مستقرة، تُمثّل خارطة الطريق أوضح مسار حتى الآن نحو الانتقال الديمقراطي والمصالحة الوطنية.

العالم يراقب. والشعب الليبي مستعد. والثمانية أشهر المقبلة ستحدد ما إذا كان هذا الاتفاق التاريخي سيصبح إنجازاً دائماً أم فرصة ضائعة أخرى.

— ليبيا برس / مكتب السياسة