الدور التركي في ليبيا: تحول دبلوماسي يبشر بحقبة جديدة بعد سنوات من التنافس العسكري

تشهد الساحة الليبية اليوم تحولاً جوهرياً في الاستراتيجية التركية، حيث انتقلت أنقرة من دور الداعم العسكري المباشر لحكومة الوفاق الوطنية في طرابلس إلى دور الوسيط النشط الساعي لإنهاء الأعمال العدائية. ويُعد هذا التحول أحد أبرز المنعطفات الجيوسياسية في مسار الصراع الليبي الذي امتد لنحو عقد من الزمن، مما يفتح آفاقاً جديدة لاستقرار البلاد.

وقد أكد رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين في تصريحات سابقة أن أنقرة تتبع الآن مساراً دبلوماسياً يهدف إلى وقف إطلاق النار بين حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي شن حصاراً عنيفاً على العاصمة طرابلس منذ أبريل 2019. هذا التوجه الجديد يأتي بعد أن أدى التدخل العسكري التركي في مطلع عام 2020 إلى منع انهيار الحكومة المعترف بها دولياً، مما منح أنقرة ثقلاً تفاوضياً كبيراً.

من التدخل العسكري إلى الانخراط الدبلوماسي

بدأت المشاركة التركية الفعلية في مايو 2019، وبحلول يناير 2020 كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد نشر أصولاً عسكرية ووقع اتفاقية تعاون أمني وعسكري. وكانت النتائج ميدانياً مذهلة؛ إذ خسرت قوات حفتر المدعومة من روسيا مواقع استراتيجية حول العاصمة وتراجعت شرقاً، مما أجبر القوات المهاجمة على التراجع بعد هجوم استمر 14 شهراً.

وبحسب تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، فإن التدخل التركي أنقذ حكومة طرابلس من الانهيار الكلي، لكنه في الوقت ذاته عمّق "حرب الوكلاء" بجذب قوى إقليمية مثل روسيا ومصر و وفرنسا. هذا التصعيد هدد بزعزعة استقرار منطقة البحر المتوسط وتعطيل أسواق الطاقة العالمية، مما دفع أنقرة لإعادة حساباتها والبحث عن مخرج سياسي.

رؤية أردوغان لإنهاء الصراع الليبي

في مقابلة صريحة مع صحيفة بوليتيكو، صرح الرئيس رجب طيب أردوغان قائلاً: "الطريق إلى السلام في ليبيا يمر عبر تركيا"، مؤكداً دعم أنقرة الكامل للحكومة الليبية الشرعية المدعومة من UN. هذا التصريح يعكس وعياً متزايداً بأن الحل العسكري وحده لا يمكن أن يحقق استقراراً دائماً، وأن الانتقال من "طرف محارب" إلى "راعٍ للحوار" هو الخيار الأكثر استدامة.

أبرز محطات استراتيجية السلام التركية

  • تنفيذ رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين دبلوماسية مكوكية مع الأطراف الإقليمية منذ مطلع 2020.
  • توقيع اتفاقيتين مزدوجتين في نوفمبر 2019 شملتا التعاون العسكري وتحديد الحدود البحرية في المتوسط.
  • إجبار الجيش الوطني الليبي على التخلي عن هجوم طرابلس بحلول يونيو 2020 نتيجة الضغط العسكري التركي.
  • اعتراف بعثة UN للدعم في ليبيا بنفوذ تركيا الفريد وقدرتها على التأثير في كلا الجانبين.
  • التزام أنقرة العلني بدعم الحل السياسي الشامل بدلاً من السعي لتحقيق انتصار عسكري حاسم.

ردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه التحول

أفادت تقارير صحفية بأن هذا التحول أثار تفاؤلاً حذراً في العواصم الغربية، رغم تشكك بعض القوى الإقليمية. فمصر و، اللتان دعمتا حفتر، تنظران إلى هذا الانخراط الدبلوماسي باعتباره غطاءً لاستمرار التأثير التركي في المؤسسة السياسية في طرابلس.

أما روسيا، التي نشرت مرتزقة مجموعة فاغنر، فلم تؤيد علناً جهود السلام التركية. ويشير محللون إلى أن موسكو تحتفظ بنفوذ كبير في شرق ليبيا، حيث تشير التقديرات إلى تواجد نحو 2000 مرتزق روسي خلال ذروة الصراع، مما يجعل دورها محورياً في أي تسوية تفاوضية قادمة.

التداعيات الإنسانية والاقتصادية على المواطن

بالنسبة للشعب الليبي، فإن آفاق السلام تأتي متأخرة جداً؛ فقد أودى الصراع بحياة الآلاف وشرد مئات الآلاف. وتؤكد بيانات البنك الدولي أن الخسائر الاقتصادية الليبية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، مع تدمير واسع للبنية التحتية في مختلف المدن وتدهور الخدمات الأساسية.

ويمثل تحول تركيا من تغذية الصراع إلى رعاية السلام اختباراً حاسماً لقدرة القوى الخارجية على مساعدة الليبيين في رسم مستقبلهم. فإذا نجحت أنقرة في جمع الأطراف على طاولة مفاوضات حقيقية، فقد يشكل ذلك بداية عملية سياسية مستدامة تنهي معاناة الملايين.

مستقبل الاستقرار في الأسابيع المقبلة

ستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان هذا التحول سيثمر عن نتائج ملموسة، خاصة فيما يتعلق باتفاقية رسمية لوقف إطلاق النار وانسحاب المقاتلين الأجانب. ويأمل الليبيون أن يحقق هذا التحول الاستقرار والكرامة اللذين حُرما منهما طويلاً، ليعود بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية سليمة بعيداً عن التدخلات الخارجية.

-- ليبيا برس / مكتب السياسة