إيران تتّجه نحو التكنولوجيا الصينية لتقييد الإنترنت بشكل دائم

حقبة جديدة من الرقابة الرقمية في الشرق الأوسط

تسعى إيران بنشاط إلى استقطاب تقنيات المراقبة وتقييد الإنترنت الصينية بهدف فرض سيطرة دائمة على الاتصالات الرقمية داخل حدودها، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغد. يأتي هذا التوجّه بعد أن نجحت السلطات الإيرانية في تنفيذ واحدة من أوسع عمليات قطع الإنترنت في التاريخ الحديث، حيث فصلت نحو 80 مليون مواطن عن الشبكة العالمية لعدة أيام متواصلة.

يمثل هذا التحول الاستراتيجي نحو البنية التحتية الرقمية الصينية تصعيداً ملحوظاً في جهود إيران لإنشاء ما تصفه التحليلات بـ"الإنترنت السيادي" — شبكة وطنية مغلقة يمكن للحكومة التحكم فيها ومراقبتها وتقييدها وفقاً لمتطلباتها الأمنية والسياسية.

خط الأنابيب التكنولوجي بين بكين وطهران

وفقاً لتحليل نشرته منظمة "المادة 19" الحقوقية المتخصصة في حرية التعبير، يعتمد نظام السيطرة على الإنترنت في إيران بشكل كبير على تقنيات صينية المنشأ. وتشمل هذه التقنيات أدوات متطورة للتعرف على الوجوه كانت قد استُخدمت سابقاً ضد سكان الإيغور في منطقة شينجيانغ غرب الصين، فضلاً عن أنظمة ملاحة صينية بديلة عن نظام تحديد المواقع الأمريكي.

وقد أتاحت بكين لطهران الوصول إلى نظام الملاحة الصيني "بايدو"، مما مكّن الجانب الإيراني من تقليل اعتماده على التكنولوجيا الغربية في قطاعات النقل والزراعة، والأهم من ذلك، في البنية التحتية للإنترنت. كما قامت شركات صينية بتوريد معدات فحص الحزم العميق التي تتيح للحكومة الإيرانية مراقبة حركة الإنترنت وتصفيتها وحجبها على نطاق غير مسبوق.

حقائق أساسية حول حملة القمع الرقمي في إيران

  • نفّذت إيران قطعاً شبه كامل للإنترنت في أواخر عام 2025، مما أدى إلى فصل نحو 80 مليون شخص لعدة أيام متواصلة
  • استُخدمت تقنية التعرف على الوجوه المورّدة من شركات صينية لتحديد هوية المتظاهرين وتعقّبهم أثناء فترات الاضطرابات المدنية
  • يوفّر نظام "بايدو" الصيني لإيران بديلاً مستقلاً عن نظام تحديد المواقع الأمريكي لأغراض الملاحة والاتصالات
  • عملت إيران على حجب خدمات الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، مما جعل آلاف الأجهزة الطرفية غير قابلة للتشغيل
  • تتيح أجهزة فحص الحزم العميق الصينية المراقبة اللحظية لجميع حركة الإنترنت التي تمر عبر الشبكات الإيرانية
  • تُقدّر التكلفة المالية لقيود الإنترنت في إيران بنحو 3 إلى 6 ملايين دولار يومياً من الأنشطة الاقتصادية المفقودة

الثمن الإنساني للعزلة الرقمية

كان الأثر على المواطنين الإيرانيين العاديين مدمّراً. فخلال فترات القطع، خسر الإيرانيون إمكانية الوصول إلى الخدمات والمعلومات الطبية والاتصالات الطارئة والقدرة على التواصل مع أفراد عائلاتهم في الخارج. وأُجبرت المؤسسات التجارية الصغيرة التي تعتمد على التجارة الإلكترونية على إغلاق أبوابها مؤقتاً، فيما عجز الطلاب عن الوصول إلى الموارد التعليمية.

"كنا في ظلام تام — ليس فقط بلا إنترنت، بل بلا أي نوع من المعلومات"، هذا ما قاله صحفي مقيم في طهران لصحيفة الغد شريطة عدم الكشف عن هويته. "لقد قررت الحكومة أن السيطرة على المعلومات أهم من ربط شعبها بالعالم."

تداعيات ذلك على ليبيا والمنطقة

بالنسبة لليبيا ودول شمال الأخرى، تمثل الشراكة الإيرانية الصينية في مجال تكنولوجيا السيطرة على الإنترنت نموذجً تحذيرياً يوضح كيف يمكن للأنظمة الاستبدادية استغلال التكنولوجيا الأجنبية لقمع الحريات الرقمية. وتجعل البنية التحتية للاتصالات الهشّة في ليبيا البلاد عرضةً لمثل هذه الشراكات إذا لم يتم تحقيق الاستقرار.

ينبغي على السلطات الليبية ومنظمات المجتمع المدني مراقبة التطورات في إيران عن قرب. فالتقنيات التي يجري نشرها هناك يمكن تصديرها إلى دول أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يشكل تهديداً أوسع للحقوق الرقمية وحرية المعلومات في المنطقة بأكملها.

التداعيات العالمية لإنترنت مجزّأ

يمثل التعاون بين طهران وبكين خطوة كبيرة نحو ما يصفه الباحثون التكنولوجيون بـ"الإنترنت المجزّأ" — أي تقسيم الشبكة العالمية إلى شرائح خاضعة للسيطرة الوطنية. ومع تبنّي مزيد من الدول للبنية التحتية الرقمية المبنية بالتقنية الصينية، تتضاءل احتمالات وجود إنترنت حر ومفتوح حقيقي على المستوى العالمي.

لا بد من زيادة الضغط الدولي على كل من إيران والصين لمنع تطبيع عمليات قطع الإنترنت الدائمة. ويستمر المدافعون عن الحقوق الرقمية في العمل لضمان أن يظل الوصول إلى المعلومات حقاً إنسانياً أساسياً — وليس امتيازاً يمكن للحكومات سحبه متى شاءت.