اعتمادات مشبوهة ومضاربات الدولار تعمّق انهيار معيشة الليبيين وتفضح الرقابة

٤٠٣ اعتماد مشبوه تكشف ثغرات خطيرة في المنظومة المصرفية

كشفت الجهات الرقابية الليبية عن وجود ما لا يقل عن ٤٠٣ اعتمادات مصرفية مشبوهة خلال الأشهر الأخيرة، وهي معاملات مالية من دون ضمانات أو مستندات تجارية حقيقية. هذه الاعتمادات غير المغطاة ضخت سيولة غير مدعومة في السوق المحلي، مما أدى إلى موجة تضخم حادة أصابت القدرة الشرائية للمواطن الليبي الذي يعاني أصلاً من ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية. وقد دفع حجم هذه المخالفات خبراء المال والاقتصاد إلى المطالبة بفتح تحقيق برلماني عاجل لكشف ملابسات هذه الفضائح المصرفية ومحاسبة المسؤولين عنها.

آلية التلاعب: كيف تتحول الاعتمادات الوهمية إلى أزمة معيشية

تعمل هذه الاعتمادات المشبوهة وفق آلية خطيرة ومتكررة. فحين تمنح المصارف التجارية خطوط ائتمان دون أن تتلقى إيداعات مكافئة بالعملة الأجنبية أو وثائق استيراد موثقة، فإن الأموال المضخوة في الاقتصاد لا تستند إلى أي قيمة حقيقية. هذا التضخم الاصطناعي في الكتلة النقدية يرفع أسعار السلع المستوردة بشكل حاد، بدءاً من المواد الغذائية وصولاً إلى الوقود والأدوية. وفي الوقت ذاته، ينهار سعر صرف الدينار الليبي في السوق الموازية، مما يخلق دورة مفرغة من المضاربات على الدولار تزيد من معاناة الأسر الليبية يوماً بعد يوم.

وقد أشار المصرف المركزي الليبي في أكثر من مناسبة إلى أن منح الاعتمادات دون رقابة فعالة يقوض كل محاولات الاستقرار النقدي. غير أن التشتت المؤسسي بين الإدارة الشرقية والغربية للقطاع المصرفي يجعل أي قرار تنفيذاً شكلياً لا يصل إلى المصارف الفاعلة فعلياً. وأدت هذه الفوضى إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية التي ارتفعت بنسب تجاوزت ثلاثين بالمئة في بعض المناطق خلال الربع الأخير.

حقائق جوهرية حول فضيحة الاعتمادات المصرفية

  • تم رصد ٤٠٣ اعتماد مصرفي مشبوه من قبل لجان الرقابة المصرفية خلال مطلع عام ٢٠٢٦.
  • مصارف متعددة منحت اعتمادات استيراد دون مستندات تجارية موثقة، في مخالفة صريحة لتعليمات المصرف المركزي.
  • سعر الدولار في السوق الموازية ابتعد عن السعر الرسمي بهامش متسع، مما عمّق الضخم التضخمية على الأسر الليبية.
  • ديوان المحاسبة الليبي طالب بـفتح تحقيقات جنائية ضد المصارف التي سهّلت منح اعتمادات غير مغطاة.
  • أسعار المواد الأساسية بما فيها الدقيق والزيت والوقود شهدت ارتفاعات حادة في طرابلس وبنغازي ومصراتة.
  • الأزمة تكشف عن فجوة رقابية بنيوية بين إدارتي القطاع المصرفي في شرق ليبيا وغربها.

الأسر الليبية تتحمل العبء الأكبر لسوء الإدارة المالية

بالنسبة للمواطن الليبي البسيط، تترجم الأزمة المصرفية مباشرة إلى معاناة يومية حقيقية. يقول أحمد المصراتي، صاحب متجر في المدينة القديمة بطرابلس: "كنت أشتري كرتون زيت الطبخ بخمسة وأربعين ديناراً، أما الآن فبلغ سعره سبعين ديناراً، ولا يستطيع الزبائن تحمّل هذا الفارق. لا أحد في الحكومة يجيب عن هذه الأزمة." وتتكرر هذه الشهادة في الأسواق من سبها إلى درنة، حيث تفيد العائلات بأنها اضطرت إلى تقليص وجبات الطعام وتأجيل العلاج الطبي لمواجهة الغلاء المتواصل. فالتكلفة الحقيقية لسوء الإدارة المالية لا تُقوَّم بالأرقام في الميزانيات، بل بالموائد الفارغة والديون المتراكمة.

لماذا تستدعي هذه الأزمة اهتماماً وطنياً فورياً

إن انقسام القطاع المالي الليبي بين إدارتين متنافستين في الشرق والغرب يمثل نقطة ضعف بنيوية منذ سنوات. لكن الموجة الحالية من الاعتمادات المشبوهة تمثل تصعيداً نوعياً خطيراً. فالأمر لم يعد مجرد مشكلة حوكمة فحسب، بل أصبح محركاً فعلياً للفقر والتهميش. كل دينار غير مغطى يدخل التداول ينقل الثروة من المدخرين وأصحاب الدخول المحدودة إلى من يملكون قنوات امتياز مصرفية. ومن دون رقابة مصرفية موحدة وشفافية حقيقية في التدقيق، تخاطر ليبيا بترسيخ منظومة مالية موازية تعمل خارج أي مساءلة ديمقراطية.

طريق التعافي: شفافية ومساءلة وإصلاح مؤسسي

يطالب الخبراء الماليون ومنظمات المجتمع المدني بثلاث خطوات عاجلة: إجراء تدقيق جنائي شامل لجميع اعتمادات الاستيراد الممنوحة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وإنشاء هيئة رقابية مصرفية موحدة تتمتع بصلاحيات إنفاذ حقيقية، والكشف العلني عن جميع المصارف التي ثبت مخالفتها للوائح الائتمان. كما أبدى شركاء دوليون من بينهم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استعدادهم لتقديم المساعدة التقنية لإصلاح القطاع المصرفي. إن نافذة العمل التصحيحي تتضيق، لكن بإرادة سياسية منسقة لا يزال بإمكان ليبيا استعادة ثقة مواطنيها في منظومتها المالية وحمايتهم من مزيد من الضرر الاقتصادي.