المجلس الأعلى للدولة الليبي يتحرك لعزل رئيس هيئة الرقابة الإدارية

أزمة سياسية متصاعدة بعد تكريم مسؤولين من نظام القذافي

أعلن المجلس الأعلى للدولة الليبي عن بدء إجراءات رامية إلى عزل عبد الله قادربوه من رئاسة هيئة الرقابة الإدارية، وهي الهيئة العليا المكلفة بمكافحة الفساد المالي والإداري في ليبيا. جاء هذا التحرك خلال جلسة عقدت في العاصمة طرابلس يوم الرابع والعشرين من مايو عام 2026، ويُعد أخطر مواجهة مؤسسية تشهدها البلاد هذا العام، إذ يكشف عن انقسامات عميقة حول كيفية تعامل ليبيا مع إرث حقبة حكم معمر القذافي الذي دام أكثر من أربعين عاماً.

تفاصيل الواقعة التي أشعلت الأزمة

تعود جذور الأزمة إلى قرار عبد الله قادربوه تكريم عدد من المسؤولين السابقين المنتمين لنظام القذافي، وذلك خلال حفل رسمي نظمته هيئة الرقابة الإدارية. وقد شمل التكريم شخصيات شغلت مناصب قيادية في مؤسسات حكومية مختلفة خلال عقود الحكم السابق، وهو ما اعتبرته قوى سياسية وازنة إساءة صريحة لتضحيات الليبيين الذين انتفضوا ضد النظام السابق خلال ثورة السابع عشر من فبراير 2011.

واعتبر أعضاء المجلس الأعلى للدولة أن هذا التكريم تجاوز جميع الخطوط الحمراء المتفق عليها في التسويات السياسية السابقة، فانعقدت الجلسة الطارئة في طرابلس لمنشاقشة آليات ممارسة الصلاحيات الرقابية المخولة للمجلس وفقاً لاتفاق المصالحة الوطنية والوثائق المرجعية المعتمدة.

حقائق أساسية حول الأزمة

  • عقد المجلس الأعلى للدولة جلسة خاصة يوم 24 مايو 2026 في طرابلس لمناقشة إجراءات عزل رئيس هيئة الرقابة الإدارية
  • يتولى عبد الله قادربوه رئاسة هيئة الرقابة الإدارية الليبية، وهي المؤسسة الرئيسية المعنية بمكافحة الفساد المالي ومحاسبة المسؤولين الحكوميين
  • تدور الأزمة حول حفل تكريم رسمي لمسؤولين سابقين من نظام القذافي نظّمته الهيئة نفسها
  • يبقى المشهد الليبي منقسماً بين تيارات تدفع بالمصالحة الوطنية وأخرى ترفض أي شكل من إعادة تأهيل رموز النظام السابق
  • أفادت تقارير بأن جلسة لاحقة عقدت الأحد التالي أخفقت في تحقيق النصاب القانوني اللازم لمتابعة التصويت على العزل
  • تشرف هيئة الرقابة الإدارية على مراقبة مليارات الدينارات من الأموال العامة في مختلف مؤسسات الدولة الليبية

الوجه الإنساني: أصوات من داخل قاعة المجلس

وصف الصحافي خالد محمود، مراسل صحيفة الشرق الأوسط في القاهرة، الأجواء داخل المجلس الأعلى للدولة بالتصعيد الواضح، مشيراً إلى أن أعضاء المجلس اعتبروا حفل التكريم استفزازاً صارخاً. ونقل مصدر مقرّب من الجلسة أن أحد الأعضاء وصفه بأنه "إهانة لكل عائلة ليبية فقدت أحباءها تحت حكم النظام السابق"، في تأكيد على أن الإرث الثقيل لحقبة القذافي لا يزال يؤثر في القرارات السياسية بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على سقوط النظام.

لماذا يهتم كل مواطن ليبي بهذا الصراع؟

هذا الصراع المؤسسي لا يتعلق بشخص واحد أو هيئة بعينها، بل يمس سؤالاً وطنياً مصيرياً لم تحسم إجابته بعد: كيف يمكن لليبيا الموازنة بين محاسبة الماضي والحاجة العملية إلى استمرار مؤسسات الدولة بكفاءة؟ فهيئة الرقابة الإدارية تُشرف على رقابة المال العام في ظل منظومة حكم مجزأة بين حكومتين متنافستين، وأي شلل يطال قيادتها قد ينعكس مباشرة على شفاء الإنفاق الحكومي. وبالنسبة للمواطن الليبي البسيط الذي يعاني من تدني الخدمات وضيق العيش، فإن نتيجة هذا الصراع ستحدد ما إذا كانت جهود مكافحة الفساد ستستمر دون انقطاع أم ستتحول إلى ضحية صراع سياسي أوسع نطاقاً.

الخطوات المقبلة وما يمكن توقعه

يتطلب الإجراء القانوني لعزل قادربوه تصويتاً رسمياً بنصاب قانوني مكتمل، وهو ما أخفقت في تحقيقه جلسة الخامس والعشرين من مايو وفقاً للتقارير المتاحة. وتتجه الأنظار الآن إلى قدرة المجلس الأعلى للدولة على حضور العدد الكافي من أعضائه في الجلسة المقبلة المقررة. وفي هذه الأثناء، لم يصدر عن قادربوه أي تعليق عام حول الواقعة. وتراقب الجهات الدولية، بما فيها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هذا التطور عن بُعد، إذ إن أي مزيد من التصدّع المؤسسي قد يُلقي بظلاله على خارطة الطريق السياسية الهشة أصلاً. ويبقى الأمل معقوداً على أن تنتصر المحاسبة المؤسسية والمصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبارات سياسية ضيقة، وأن تواصل هيئات الرقابة في ليبيا أداء رسالحيتها الجوهرية في حماية المال العام وخدمة الشعب الليبي.