إعصار متوسطي نادر يهدد ثلاث دول بعواصف وأمطار غزيرة

إعصار هاري يتشكل فوق البحر المتوسط

يتشكل فوق مياه وسط البحر الأبيض المتوسط إعصار نادر من نوع "ميديكين" يهدد ثلاث دول عربية بأمطار غزيرة وفيضانات مفاجئة وأعاصير مدمرة. ويشير خبراء الأرصاد إلى أن هذا المنخفض بدأ كنظام ضغط منخفض عميق ثم تزايدت قوته فوق مياه سطحية دافئة بصورة غير موسمية، وهي ظاهرة يربطها العلماء بارتفاع حرارة المحيطات العالمية لمستويات قياسية.

وأوضح المحلل الجوي بشير عبدالله أن صور الأقمار الاصطناعية توضح تطور المنخفض حتى أصبح يشبه الإعصار الاستوائي في بنيته. وقال: "تبيّن الصور الجوية تطوّر هذا المنخفض إلى ما يشبه الإعصار المتوسطي، وهي عواصف نادرة لكنها شديدة التأثير عندما تتشكل فوق مياه دافئة." وتشير التحليلات إلى أن عدة عوامل تتضافر في تقوية هذا الإعصار أبرزها ارتفاع حرارة سطح البحر درجتين إلى ثلاث فوق المعدل والتيارات الباردة العليا وضعف القص الريحي.

ما يجعل الأعاصير المتوسطية خطراً استثنائياً

تختلف أعاصير "ميديكين" عن العواصف المتوسطية العادية بامتلاكها مركزاً دافئاً كالأعاصير الاستوائية، مما يمكّنها من إنتاج رياح مستمرة تتجاوز مئة كيلومتر بالساعة وأمطار تصل إلى مئة وخمسين ملمتراً في أربع وعشرين ساعة. والعوامل المساعدة على تفاقم الخطر هي: دفء المياه السطئية بمعدل غير مسبوق، والكتل الهوائية الباردة القادمة من شمال أوروبا فوق مياه دافئة، وضعف القص الريحين إضافة إلى بطء حركة العاصفة مما يضاعف كمية الأمطار فوق المناطق المتأثرة مع تشبع التربة بمياه الربيع السابقة.

  • ارتفاع حرارة مياه البحر المتوسط درجتين إلى ثلاث فوق المعدل الموسمي
  • تصادم كتل هوائية باردة في الطبقات العليا مع هواء دافئ رطب بالسطح
  • ضعف القص الريحي مما يتيح للإعصار التعمق والتنظيم
  • بطء حركة الإعصار فوق اليابسة يضاعف كمية الأمطار المتراكمة
  • تشبع التربة بمياه أمطار الربيع يزيد مخاطر الانهيارات والسيول

ثلاث دول عربية في مسار العاصفة

يستهدف الإعصار المعروف محلياً بـ"هاري" الجزائر وتونس وليبيا. وقد حددت الجزائر ولايات ساحلية عديدة باعتبارها الأكثر عرضة للخطر بما يشمل مناطق العاصمة وشرق البلاد. وأصدر الديوان الوطني للأرصاد الجزائرية تحذيرات من أمطار تتجاوز ثمانين ملمتراً ورياح تصل إلى مئة وعشرة كيلومترات بالساعة. وفي تونس تراقب الحماية المدنية أحواض الأنهر تحسباً للفيضانات، فيما تستعد شرق ليبيا لمواجهة أمواج البحر العالية وتآكل السواحل.

المجتمعات المتأثرة تتأهب لأسابيع صعبة

يُحثّ سكان المناطق الساحلية المنخفضة في الدول الثلاث على اتخاذ احتياطات فورية، وصدرت أوامر للصيادين بالبقاء في الموانئ. وقال أحد قادة مجتمع الصيد في ميناء عنابة: "عشنا عواصف من قبل لكن تحذيرات هذه المرة أشد خطورة من أي شيء شهدناه مؤخراً." وبدأت المنظمات الإنسانية بتجهيز مواد الإغاء الطارئة من مياه نظيفة ومأوى مؤقت ومستلزمات طبية، مع وضع فرق الاستجابة الإقليمية في حالة تأهب نظراً لهشاشة البنية التحتية في المنطقة المتأثرة.

ليبيا تواجه مخاطر مركبة

يحمل هذا الإعصار قلقاً خاصاً بالنسبة لليبيا نظراً لتهشش بنيتها التحتية بعد أعوام من النزاع. وتواجه مدن الساحل الشرقي مخاطر فيضانات كبيرة بسبب محدودية أنظمة التصريف وعدم صيانة منشآت الحماية من الفيضانات. ونصحت الأرصاد الليبية سكان المناطق المنخفضة بتجنب التنقل غير الضروري والابتعاد عن مجاري الأودية، فيما أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استعدادها لتنسيق المساعدات الدولية إذا دعت الحاجة.

تحذير من أنماط مناخية متغيرة

يلاحظ خبراء المناخ أن هذه الأعاصير ليست جديدة على المتوسط لكن تكرارها وشدتها يتزايدان. فالمياه الدافئة التي سجلت أرقاماً قياسية عام ألفين وأربعة والعشرين تخلق ظروفاً مؤاتية لتكوّن هذه الأعاصير الهجينة. وتدعو المنظمة العالمية للأرصاد الدول المتوسطية إلى الاستثمار في أنظمة إنذار مبكر وبنى تحتية قادرة على التكيف مع أنماط جوية متقلبة، في وقت يمثل فيه هذا الإعصار تذكيراً صارماً للدول العربية المتوسطية بتنامي المخاطر المناخية.

الخطوات المقبلة

مع استمرار إعصار "هاري" في التحرك شمال شرقاً، تحث السلطات في الدول الثلاث المواطنين على اتباع الإرشادات الرسمية وتجنب الطرق المغمورة. وتواصل وكالات الرصد الدولية متابعة شدة الإعصار وتحديث التوقعات. تبقى السلامة أولوية قصوى، والأمل معقود على أن إجراءات التأهب ستقلل الخسائر البشرية والاقتصادية لهذه العاصفة النادرة.