الإفراجات الليبية في العيد: حسابات سياسية خلف البوابات

في الوقت الذي يحتفي فيه الليبيون بعيد الأضحى المبارك، خرج العشرات من السجناء من خلف القضبان بعد سنوات من الاحتجاز، في عمليات إفراج متزامنة جرت في شرق البلاد وغربها على حد سواء. غير أن محللين سياسيين يرون أن هذه الخطوات تحمل أبعاداً تتجاوز البعد الإنساني، وتكشف عن حسابات سياسية تسعى إليها الأطراف المتحاربة لكسب تعاطف الشارع الليبي وتوجيه رسائل للأطراف الدولية الفاعلة في الملف الليبي.

عشرات السجناء يلمّون بأسرهم بعد سنوات خلف القضبان

شمل عفو العيد أكثر من مئة سجين وسجينة في دورة الإفراجات الأخيرة التي طالت منشآت احتجاز تابعة لكل من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والسلطات الشرقية المناصرة للمشير خليفة حفتر في بنغازي. وقد أمضى كثير منهم فترات طويلة في الاحتباس الاحتياطي دون توجيه تهمة رسمية أو محاكمة عادلة، وهو ما يمثل أزمة مزمنة في منظومة العدالة الليبية المنقسمة. وعاشت العائلات لحظات لقاء مؤثرة أمام أسوار السجون، فيما يسيطر القلق على الأسر بشأن المستقبل وما قد يحمله الغد.

طقس سياسي يتكرر مع كل عيد

تقول جاكلين زاهر، المحللة السياسية المتخصصة في شؤون شمال أفريقيا، إن عمليات الإفراج المتزامنة أصبحت شبه طقس سياسي راسخ يرافق المناسبات الدينية الكبرى في ليبيا. وتضيف زاهر: "كلا الجانبين يدركان القوة الرمزية لتفريغ السجون قبل العيد، غير أن الظواوف البنيوية التي تملأ تلك الزنازين — من اعتقال تعسفي وغياب الإجراءات القانونية والحبس لأسباب سياسية — لا تزال على حالها دون أي تغيير جذري." وتجري هذه الإفراجات في ظل انقسام سياسي عميق، إذ لا تزال ليبيا تفتقر إلى حكومة موحدة أو قضاء مستقل فعال بعد أكثر من عقد من الصراع.

أرقام وحقائق حول أزمة الاحتجاز في ليبيا

  • شملت عفوة عيد الأضحى الحالية أكثر من مئة سجين في عمليتي إفراج متوازيتين في شرق ليبيا وغربها.
  • كثير من المحتجزين أمضوا أعواماً في الاحتباس الاحتياطي دون صدور أحكام قضائية أو إتاحة حق الدفاع القانوني.
  • يضم نزلاء السجون الليبية أشخاصاُ محتجزين على أسس سياسية ودون أي وثائق تثبت توجيه تهم رسمية ضدهم.
  • حكومتا البلد المتصارعتان اعتادتاكاستخدام الإفراجات في عيدي الفطر والأضحى كأدوات لكسب التأييد الشعبي.
  • وثّقت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بشكل متكرر حالات اختفاء قسري واحتجاز تعسفي في المنشآت الليبية.
  • تقدّر منظمات حقوقية أن الآلاف لا يزالون رهن الاعتقال التعسفي في أنحاء متفرقة من البلاد.

"أخي عاد بعد ثلاث سنوات بلا محاكمة"

يقول أحمد المصراتي، أحد أهالي طرابلس الذي أُفرج عن شقيقه الأصغر، وقد كان ينتظر أمام منشأة عين زارة للاحتجاز: "عاد أخي إلى البيت بعد ثلاث سنوات كاملة دون محاكمة ودون حكم ودون أي شيء. الحمد لله على أنه حي، لكننا نعلم أن شيئاً لم يتغير. فداً يحل محل أخي غداً." وتتكرر مثل هذه الروايات في ليبيا، حيث تعمل منشآت احتداز تدّعي أنها تابعة لتشكيلات مسلحة من خارج أي إطار قضائي معترف به.

رسائل داخلية وإشارات دولية

يُشير متابعون للشأن الليبي إلى دوافع سياسية متعددة وراء توقيت هذه الإفراجات. فمع تصاعد الضغوط الدولية لإجراء انتخابات وتشكيل حكومة موحدة، يواجه كلا الجانبين أزمة مصداقية أمام سكانه. وتشكّل عفوات العيد وسيلة منخفضة التكلفة لكسب تأييد الشارع في ظل انهيار اقتصادي متسارع وانقطاع مستمر للكهرباء وأوضاع أمنية متقلبة. كذلك تحمل هذه الخطوات رسائل موجهة إلى الأطراف الدولية، إذ يأتي توقيت العفوات في الغالب قريباً من زيارات المبعوثين الأمميين أو المؤتمرات الدولية ذات الصلة بالملف الليبي.

حاجة ليبية إلى عدالة لا إلى طقوس موسمية

تطالب المنظمات الحقوقية بإجراء مراجعة شاملة لكافة منشآت الاحتجاز في ليبيا وإنشاء هيئة قضائية موحدة ومستقلة — مطالب لم تلقَ استجابة في ظل الجمود السياسي القائم. وحتى تحقيق ذلك، تبقى إفراجات العيد في نظر المنتقدين "ضمادة موسمية فوق جرح مزمن". ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه البادرات الرمزية إلى إصلاح مؤسسي حقيقي يضمن حراً لجميع الليبيين على أسس ثابتة لا على إيقاع الأعياد.

الحرية حق دائم لا هدية موسمية

يحتاج مسار السلام الدائم في ليبيا إلى منظومة عدالة تحمي المواطنين من الاعتقال التعسفي وتحاسب جميع التشكيلات المسلحة بموجب سيادة القانون. إن السجناء الذين أُفرج عنهم اليوم — وسائر أبناء الشعب الليبي — يستحقون ضمانة بأن الحرية ليست هدية موسمية بل حق دائم وثابت. وعلى المجتمع الدولي مواصلة الضغط على جميع الأطراف لتقديم عدالة حقيقية تتجاوز سطور البيانات الصحفية والعروض السياسية.