3 مسارات لإنهاء أزمة السيولة في ليبيا.. خطة المركزي لاستعادة الثقة

للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، يشتري المواطنون الليبيون العملة الأجنبية نقداً من مصارفهم مباشرة — مشهد كان شبه مستحيل قبل عامين. بعد أزمة سيولة امتدت منذ 2011 ودفعت ملايين المواطنين إلى النقد الورقي والسوق الموازية، يشهد القطاع المصرفي الليبي تحسناً ملموساً. هذا التحول جاء ثمرة ثلاث مسارات متوازية اعتمدها مصرف ليبيا المركزي لمعالجة واحدة من أعمق الجروح الاقتصادية.

المسارات الثلاثة نحو التعافي

أوضح مصدر مسؤول في المصرف المركزي أن التحسن جاء عبر ثلاث استراتيجيات متزامنة:

  • إعادة تنظيم توزيع السيولة النقدية بين فروع المصارف لضمان عدالة التوزيع بين المناطق
  • طباعة عملة جديدة بقيمة 60 مليار دينار (9.42 مليار دولار) لاستبدال الأوراق المزيفة والمتداولة خارج القنوات الرسمية
  • التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني ضمن استراتيجية الشمول المالي

الأرقام تكشف حجم التحول: ارتفعت معاملات الدفع الإلكتروني من 74 مليار دينار في سبتمبر 2024 إلى 397.1 مليار خلال 2025، وبلغت 340.5 مليار حتى نهاية مايو 2026 — في طريقها لتجاوز إجمالي العام السابق.

معركة الدولار: القنوات الرسمية مقابل السوق الموازية

يراهن المصرف المركزي على بيع العملة الأجنبية للمواطنين للحد من المضاربة. وقد ساعد توفير الدولار عبر القنوات الرسمية في استيعاب جزء من الطلب الذي كان يغذي السوق السوداء. غير أن المصدر أقر بأن هذه السياسة وحدها لا تكفي لسد الفجوة بين السعرين الرسمي والموازية. ويشير تاجر العملة مصعب العماري إلى أن بعض المواطنين يعيدون بيع دولار المصرف في السوق الموازية للربح من فارق السعر.

تجربة مواطنة: تقدم حقيقي لكن الثقة هشة

هبة خليفة، مواطنة استفادت من خدمة شراء العملة الأجنبية، روت تجربتها: "استلام الدولار استغرق شهراً بعد التسجيل، واجهت أعطالاً في منظومة الحجز وازدحاماً عند الاستلام. المصرف وفر المال لكنه لم يوفر الوقت والجهد." وأشارت إلى تحسن واضح في الخدمات الإلكترونية، لكن الثقة الكاملة لم تعد بعد بسبب مشكلات فنية وإجرائية مستمرة.

جذور هيكلية: أزمة أعمق من المصارف

يرى مؤسس سوق الأوراق المالية الليبية سليمان الشحومي أن أزمة السيولة تحولت إلى أزمة اقتصادية شاملة. وقال إن جزءاً كبيراً من النقد خرج من الدورة المصرفية نحو المضاربة في العملات والعقارات والذهب، في ظل تراجع الأنشطة الإنتاجية وضعف الثقة. وأكد أن استعادة الثقة الحقيقية تتطلب إصلاحات أعمق تعيد للمصارف دورها في التمويل والاستثمار، مع استقرار سعر الصرف وسد الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.

هجوم سيبراني يختبر البنية الرقمية

جاءت هذه المؤشرات الإيجابية بينما تعرضت منظومات المصرف المركزي لهجوم سيبراني عطل خدمات المقاصة والتحويلات. وأعاد الهجوم تساؤلات حول متانة البنية الرقمية للقطاع المصرفي. ويرى مراقبون أن الهجوم اختبار حقيقي للثقة التي يسعى المصرف لترسيخها، إذ لم تعد مرتبطة بتوفر السيولة فقط بل بحماية البيانات وضمان استمرارية الخدمات.

لماذا يهم كل ليبي

لمست أزمة السيولة كل أسرة ليبية لأكثر من عقد. من تأخر المرتبات إلى تآكل المدخرات عبر علاوات السوق الموازية، كانت عدم القدرة على الوصول للخدمات المصرفية من أكثر عواقب الانقسام المؤسسي ملموسية. تشير تقديرات دولية إلى تحسن نسبي في الاقتصاد الليبي مدفوعاً بارتفاع إنتاج النفط، لكن تحديات هيكلية — الحوكمة المالية والشفافية وتنويع الدخل — تهدد استقرار القطاع المصرفي. تقدم المسارات الثلاثة إطاراً موثوقاً، لكن استدامته تعتمد على الوحدة السياسية والإصلاح المؤسسي. لملايين الليبيين الذين يراقبون مصارفهم تعود للحياة، السؤال لم يعد هل التحسن ممكن — بل هل سيستمر هذه المرة.

— ليبيا برس / مكتب الاقتصاد