وليبيا وفرنسا تتعاكان لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني

اجتماع رفيع المستوى يفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية

عقدت وزارة الدفاع الليبية يوم الأربعاء الماضي جلسة مباحثات رفيعة المستوى في مقرها بطرابلس، حيث التقى نائب وزير الدفاع عبد السلام الزبي بالسفير الفرنسي لدى ليبيا تيري فالاح. حضر اللقاء أيضاً الملحق العسكري الفرنسي ميشيل بنوا، وركزت المحادثات على توسيع نطاق التعاون الثنائي في عدة ملفات مشتركة تشمل التدريب الدفاعي والأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب.

يأتي هذا اللقاء الدبلوماسي في ظروف حساسة تمر بها ليبيا، حيث لا يزال البلد منقسماً بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة الاستقرار الوطنية في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد والمدعومة من مجلس النواب والجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. وقد ظل الانتخاب الوطني معلقاً منذ عام 2021 دون أي اختراق حقيقي في الجمود السياسي.

أبرز مخرجات مباحثات طرابلس

وفقاً لما أعلنته وزارة الدفاع الليبية، ركزت المناقشات على آليات عملية لتوسيع نطاق التعاون بين طرابلس وباريس. وبالرغم من عدم الكشف عن التفاصيل الكاملة للمحادثات، إلا أن عدة محاور رئيسية طُرحت على طاولة النقاش:

  • التدريب الدفاعي وبناء القدرات — سبق لفرنسا أن دعمت تدريب قوات الأمن الليبية، بما في ذلك وحدة الحرس الرئاسي المكلفة بحماية مؤسسات طرابلس في إطار اتفاق الخيرات.
  • الأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب — تشترك البلدان في الاهتمام بتأمين الحدود الليبية المترامية الأطراف في الجنوب، حيث لا يزال تهريب الأسلحة والنشاط المسلح يشكلان تهديداً مستمراً.
  • آليات التنسيق العسكري — حضور الملحق العسكري الفرنسي ميشيل بنوا يشير إلى نية إقامة تواصل مؤسسي مستمر بين هيئة أركان البلدين.
  • التعاون الاقتصادي والتنموي — تتماشى هذه المباحثات مع منتدى فرنسا-ليبيا 2026 الذي عُقد في أبريل الماضي بمدينة مرسيليا وباريس، وجمع أكثر من 400 شركة فرنسية و50 من صنّاع القرار الليبيين.

استراتيجية فرنسا الأوسع في شمال أفريقيا

لقاء طرابلس يأتي ضمن دبلوماسية فرنسية نشطة في منطقة شمال أفريقيا. فقبل أيام فقط، وتحديداً في العاشر من يونيو، استقبل نائب وزير الدفاع السوري محمد خير حسن شعيب هيرفي هاملين رئيس العلاقات العسكرية الدولية في هيئة الأركان العامة للجيش الفرنسي في دمشق، لمناقشات مماثلة حول توسيع التعاون الدفاعي. هذه التوازنات المتوازية تشير إلى أن فرنسا تسعى بنشاط لإعادة بناء علاقاتها العسكرية-الدبلوماسية في المنطقة بعد سنوات من الاضطرابات.

كما تُعد فرنسا من أبرز الداعمين الدوليين لجهود تحقيق الاستقرار في ليبيا. ووفقاً لتقرير مجلس الأمن لشهر يونيو 2026، رحبت فرنسا بالدور الأمريكي الوسيط في دعم الاندماج العسكري في ليبيا — وهو عملية تهدف إلى توحيد الفصائل المسلحة المنقسمة في البلاد تحت قيادة واحدة موحدة.

لماذا يهم هذا الليبيين؟

بالنسبة للمواطن الليبي العادي، فإن تعزيز العلاقات الدفاعية بين ليبيا وفرنسا يحمل في طياته وعوداً وتحديات في آن واحد. فمن ناحية، يمكن للتعاون العسكري الدولي أن يساعد في إعادة هيكلة قوات الأمن الليبية المجزأة، وتحسين الرقابة على الحدود، وتقليل نفوذ الميليشيات المسلحة التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من عشرة أعوام. كما أن الخبرة الفرنسية في مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود قد تكون ذات قيمة كبيرة في تأمين الحدود الجنوبية لليبيا مع تشاد والنيجر والسودان.

من ناحية أخرى، تحمل العلاقات الليبية-الفرنسية أعباءً تاريخية. فالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي الذي قاد التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا عام 2011، يواجه حالياً محاكمة بتهمة تلقى تمويل غير قانوني لحملته الانتخابية عام 2007 من نظام القذافي. وليبيا نفسها تتابع قضية قانونية ضد ساركوزي تطالب فيها بتعويض قدره عشرة ملايين يورو. هذه التوترات غير المحلولة تعني أن أي تعميق للعلاقات الثنائية يجب أن يتم بشفافية ومصداقية كاملة.

وقد أظهر منتدى فرنسا-ليبيا 2026 الذي انعقد في مرسيليا وباريس أن التعاون الاقتصادي يماشي التطورات الدفاعية، حيث أبدت أكثر من 400 شركة فرنسية اهتمامها بفرص السوق الليبية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتنمية — وهي قطاعات تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين الليبيين ومعيشتهم.

الخطوات المقبلة

من المتوقع أن يُعقب اجتماع الأربعاء في طرابلس مناقشات تقنية إضافية بين مسؤولين دفاعيين من كلا البلدين. وفي ظل استمرار بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالضغط من أجل خارطة طريق سياسية تشمل توحيد المؤسسات الحكومية وإجراء انتخابات، يمكن للشراكات الدولية مثل الشراكة مع فرنسا أن تلعب دوراً داعماً في استثبات المشهد الأمني في البلاد.

بالنسبة لليبيا، يتطلب الطريق للأمام تحقيق التوازن بين التعاون الدولي والسيادة الوطنية — أي التعامل مع شركاء مثل فرنسا مع ضمان بقاء المصالح الليبية في صلب كل اتفاق. الأسابيع القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه المباحثات ستتحول إلى برامج عملية ملموسة أو تبقى مجرد إيماءات دبلوماسية.

— ليبرس / مكتب السياسة