قانون الانتخابات الرئاسية الليبية: اختراق تاريخي تقوده بعثة الأمم المتحدة

في تطور دراماتيكي يمنح الليبيين بصيص أمل جديد، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اليوم أن أعضاء لجنة "الأربعة زائد أربعة" توصلوا إلى إجماع تاريخي بشأن قانون الانتخابات الرئاسية. هذا الاتفاق لا يمثل مجرد توافق قانوني، بل هو مفصل استراتيجي ينهي حالة الجمود السياسي التي خنقت البلاد منذ عام 2019، ويفتح الباب أمام استعادة السيادة الشعبية عبر صناديق الاقتراع.

وتتألف هذه اللجنة من ثمانية ممثلين، أربعة من مجلس النواب وأربعة من مجلس الدولة الأعلى، والذين خاضوا مفاوضات ماراثونية خلال الأسابيع الأخيرة. ووفقاً لبيان البعثة، فقد تم إنجاز معظم المسائل المرتبطة بالمحطتين الأولى والثانية من خارطة الطريق، مما يعني أن العقبات التي كانت تبدو مستعصية بدأت تتلاشى أمام الرغبة الدولية والمحلية في إنهاء حقبة الحكومات المؤقتة.

تفاصيل الاتفاق: خارطة الطريق نحو الاقتراع

لم يكن الوصول إلى هذا الإجماع أمراً سهلاً، إذ تناول الاتفاق نقاطاً خلافية كانت تشكل حجر عثرة لسنوات. وقد ركزت التفاهمات الأخيرة على ضمانات قانونية تمنع تكرار سيناريوهات الفشل السابقة، وجاءت أبرز مخرجات الاتفاق كما يلي:

  • إقرار نهائي لقانون الانتخابات الرئاسية يتضمن معايير دقيقة للأهلية وشروط الترشح.
  • استكمال صياغة قانون الانتخابات البرلمانية لضمان تزامن العملية الانتخابية.
  • تحديد جدول زمني ملزم للخطوات الإجرائية واللوجستية للمسارين.
  • حسم الجدل حول تسجيل الناخبين ومعالجة ثغرات الأهلية التي كانت تثير الخلافات.
  • تفعيل آليات رقابية دولية ومحلية لضمان شفافية ونزاهة عملية التصويت.
  • توحيد الرؤية التشريعية بين مجلسي النواب والدولة في إطار قانوني موحد.

تجاوز عقبات الماضي والجمود السياسي

لقد عانت العملية السياسية في ليبيا من تعثرات متكررة، خاصة فيما يتعلق بترشح العسكريين وذوي الجنسية المزدوجة، وهي الملفات التي كانت تؤدي دائماً إلى انهيار التفاهمات. إلا أن الزخم الحالي يعكس تغيراً في القناعات السياسية، مدفوعاً بضغوط شعبية هائلة من المواطنين الذين سئموا من حالة الانقسام المؤسسي.

ويشير مراقبون إلى أن هذا الاختراق جاء نتيجة تلاقي المصالح الدولية مع تطلعات الشارع الليبي. فاليوم، تدرك القوى الفاعلة أن استقرار المنطقة مرتبط بإنهاء حالة التجزئة التي بدأت منذ عام 2014، حيث فشلت عدة حكومات انتقالية في تحقيق الاستقرار، مما جعل من هذا الاتفاق ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل.

ردود الفعل والموقف الرئاسي

لقي هذا التقدم ترحيباً واسعاً في الأوساط الدولية، حيث اعتبرته بعثة الأمم المتحدة خطوة جوهرية لتلبية تطلعات الشعب الليبي. وفي سياق متصل، شدد رئيس مجلس الرئاسة، محمد المنفي، على أن الانتخابات هي المخرج الوحيد من النفق المظلم. وصرح المنفي قائلاً: "الانتخابات هي السبيل الوحيد لإنهاء دورة الحكومات الانتقالية وإقامة حكومة شرعية تمثيلية للشعب."

هذا التصريح يعكس إدراكاً عميقاً بأن الشرعية لا يمكن استعادتها عبر التعيينات أو التوافقات النخبوية، بل عبر تفويض شعبي مباشر. وقد أعربت منظمات إقليمية عن تفاؤلها الحذر، مؤكدة أن التحدي الحقيقي يكمن في "التنفيذ" وليس فقط في "الاتفاق".

تأثير الاتفاق على الاستقرار الوطني

بالنسبة للمواطن الليبي البسيط، يمثل هذا الاتفاق نهاية لسنوات من الترقب والقلق. فمنذ ثورة 2011، عاشت البلاد حالة من عدم الاستقرار السياسي التي أثرت على الاقتصاد والمعيشة. إن الوصول إلى قانون انتخابي موحد يعني الانتقال من مرحلة "إدارة الأزمة" إلى مرحلة "حل الأزمة".

إن إنهاء حالة الانقسام المؤسسي سيسهم في توحيد المؤسسات المالية والسيادية، مما ينعكس إيجاباً على قيمة العملة المحلية واستقرار الأسواق. كما أن وجود إطار قانوني واضح سيقلل من حدة التوترات الأمنية، حيث سيتجه الجميع نحو التنافس السلمي عبر الصناديق بدلاً من الصراعات على السلطة.

التحديات القادمة والخطوات العملية

رغم التفاؤل، تظل المرحلة المقبلة هي الاختبار الحقيقي. يتطلب الأمر الآن تحويل هذه النصوص القانونية إلى واقع ملموس من خلال تمكين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من القيام بمهامها. وتشمل الخطوات القادمة تحديث سجلات الناخبين، وتجهيز مراكز الاقتراع، وإطلاق حملات توعية وطنية شاملة.

سيكون الدعم اللوجستي والتقني من المجتمع الدولي حاسماً في هذه المرحلة، خاصة في تأمين العملية الانتخابية ومراقبتها. إن ليبيا اليوم تقف على عتبة فصل جديد، حيث يثبت اتفاق لجنة "الأربعة زائد أربعة" أن الإرادة السياسية يمكنها تذليل أصعب العقبات إذا توفرت الرغبة الحقيقية في التغيير.

-- ليبيا برس / مكتب السياسة