ليبيا تشهد تصاعد الجدل حول توطين المهاجرين مع مخاوف من إنشاء منظومة حكم موازية

الافتتاحية: أكثر من 400 متظاهر في طرابلس احتجاجاً على وثائق المنظمات الدولية

خرج أكثر من 400 مواطن ليبي في مظاهرة حاشدة وسط العاصمة طرابلس أمس، مطالبين الحكومة بتوضيح موقف رسمياً من إصدار المنظمات الدولية لوثائق رسمية للمهاجرين على الأراضي الليبية. وحذّر خبراء قانونيون من أن هذه الممارسة تهدد بإنشاء منظومة إدارية موازية بعيداً عن سلطة الدولة، مما يغذي مخاوف واسعة من التوطين القسري.

وجاءت التظاهرات بتنظيم من ائتلافات شبابية ومنظمات مجتمع مدني، واستهدفت مكاتب وكالات الأمم المتحدة في وسط طرابلس. ورفع المتلاهون لافتات كُتب عليها "لا للتوطين نعم للكرامة" و"ليبيا ليست معسكر لجوء"، في تعبير عن قلق متصاعد من مناطق قانونية رمادية خلقها فاعلون خارجيون يعملون دون تفويض من الدولة.

السياق: 12 ألف وثيقة إنسانية في ربع واحد وغياب الإطار القانوني

كشفت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 12,000 مهاجر حصلوا على وثائق إنسانية في ليبيا خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة نسبتها 37% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025. غير أن ليبيا لم تصادق على اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، ولم تفوّض أي جهة دولية بصلاحية إعادة التوطين على أراضيها.

وحذّر باحثون قانونيون من أن إصدار وكالات الأمم المتحدة لوثائق هوية أو مستندات سفر أو تصاري إقامة على التراب الليبي دون تفويض برلمان صريح يُؤسس لإطار إداري بديل. وأكد خبراء أن ذلك يُقوّض السيادة الوطنية ويُربك الوضع القانوني للمهاجرين واللاجئين على حد سواء.

وقالت نادية عثمان، عضو هيئة صياغة الدستور الليبية، في مقابلة حصرية مع موقع "عربي21" بتاريخ الرابع من مايو: "منح وثائق رسمية لأفراد في دولة لم تصادق على الاتفاقية يخلق حقوقاً فعلية تتجاوز القانون الوطني. هذه ليست عملاً إنسانياً، بل تجاوزاً مؤسسياً."

حقائق أساسية حول ملف الهجرة في ليبيا

  • ليبيا لم تصادق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969
  • أكثر من 12,000 مهاجر حصلوا على وثائق إنسانية خلال الربع الأول من 2026 وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة
  • تظاهرات متزامنة شهدتها طرابلس وبنغازي ومصراتة خلال 48 ساعة من صدور تقرير المنظمة
  • وزارة الداخلية لم تصدر أي توجيه رسمي بشأن صلاحية الوثائق الممنوحة لغير المواطنين
  • 72% من الليبيين المستطلع آراؤهم عبروا عن قلقهم مما وصفوه بـ"التغيير الديموغرافي"
  • ثلاث منظمات دولية غير حكومية فقط تمتلك عقوداً قانونية رسمية مع السلطات في طرابلس لتسجيل المهاجرين

أصوات من الميدان: بين السيادة والإنسانية

قال أحمد الغربي، صاحب محل تجاري يبلغ من العمر 28 عاماً في منطقة باب البلد بطرابلس، لوكالة رويترز: "أؤيد مساعدة المحتاجين، لكن ليس على حساب قوانينا. إذا كانوا يصدرون بطاقات هوية، فمن يتحقق من خلفياتهم؟ أين الشفافية؟"

في المقابل، شددت فاطمة المصراتي، أخصائية اجتماعية تعمل في الهلال الأحمر الليبي، على البعد الإنساني: "كثير من المهاجرين فروا من مناطق حرب ويعانون من صدمات نفسية. حرمانهم من الوثائق الأساسية يعرّضهم للاستغلال، لا سيما النساء والأطفال."

لماذا يهم هذا كل ليبي اليوم؟

إن الجدل حول التوطين ليس نقاشاً نظرياً مجرداً، بل يمس بشكل مباشر الخدمات العامة والبروتوكولات الأمنية والهوية الوطنية. ومع بلوغ معدل البطالة 32% والبنية التحتية الصحية تحت ضغوط هائلة، يخشى كثير من الليبيين أن سياسات الدمج غير الرسمية قد تحوّل الموارد الشحيحة بعيداً عن المواطنين.

والأخطر من ذلك أن غياب سياسة وطنية موحدة للهجرة — بعد أكثر من 15 عاماً على سقوط نظام القذافي — سمح بانتشار ممارسات عشوائية. فالمنظمات الدولية والسلطات المحلية والجماعات المسلحة تلعب جميعها أدواراً في إدارة حركة التنقل، غالباً دون تنسيق أو رقابة.

وأكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة التزامها بالعودة الطوعية في بيان صادر بتاريخ الخامس من مايو، مضيفة: "لا تتم أي عملية توطين دون موافقة البلد المُستقبِل." غير أنه في ليبيا لا توجد آلية كهذه للموافقة على التوطين الدائم، بل فقط ترتيبات إنسانية مؤقتة.

نحو مستقبل أوضح: شفافية لا مواجهة

يتطلب درب ليبيا المقبل وضوحاً قانونياً لا صداماً. ويحث الخبراء حكومة الوفاق الوطني على تسريع اعتماد إطار وطني للهجرة يتوافق مع المعايير الدولية لكنه ينبع من السيادة الليبية.

وسيعتمد استعادة ثقة الجمهور على الشفافية: من يحصل على الوثائق؟ ولماذا؟ ومن يصدرها؟ ومتى؟ يجب الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل جماعي، لا من خلال التظاهر في الشوارع ولا عبر قرارات بيروقراطية غامضة خلف الأبواب المغلقة.

— ليبيا برس / مكتب ليبيا