دخان آخر فوق ليبيا: الرفض الشعبي والسياسي لتوطين المهاجرين يوحّد الفرقاء

صوت واحد من طرابلس إلى بنغازي: "لا للتوطين"

في مشهد نادر في بلد يعاني من الانقسام السياسي منذ أكثر من عقد، ارتفع صوت واحد من مختلف المدن الليبية: "لا لتوطين المهاجرين على الأراضي الليبية." جاء هذا الرد الشعبي العارم بعد انتشار تقارير غير مؤكدة على منصات التواصل الاجتماعي، زعمت أن منظمات دولية وقوى أجنبية تعد بخطط لتوطين مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين العالقين حالياً في ليبيا بشكل دائم. وقد كان رد الفعل فورياً وحاسماً وموحداً بشكل لافت.

ما الذي أشعل الأزمة؟

بدأت الأزمة في أواخر مايو 2026 عندما انتشرت تقارير غير مؤكدة تزعم أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بدأت في منح تصاريح إقامة للمهاجرين غير النظاميين داخل ليبيا. وأشارت إلى وجود خطة سرية لتحويل ليبيا من دولة عبور إلى دولة توطين دائم. وزادت الشائعات حدة بعد أن توصل الاتحاد الأوروبي في الأول من يونيو 2026 إلى اتفاق سياسي مبدئي يسمح للدول الأعضاء بترحيل طالبي اللجوء المرفوضين إلى مراكز معالجة خارجية — وهو ما فسره كثير من الليبيين على أنه يستهدف بلادهم مباشرة.

حقائق أساسية

  • 4 يونيو 2026: تجمع مئات المحتجين أمام مقر مفوضية اللاجئين في منطقة السراع بطرابلس، مطالبين بإغلاقه فوراً واتهام الوكالة بتسهيل التوطين.
  • الرد الأممي: بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نفت جميع الادعاءات ووصفتها بأنها "عارية تماماً عن الصحة"، وأكدت عدم وجود أي برامج توطين.
  • البعد الأوروبي: اتفاق الاتحاد الأوروبي في الأول من يونيو يسمح بترحيل المرفوضين إلى دول ثالثة، مما غذى المخاوف الليبية من التحول إلى منطقة عازلة.
  • موقف برلماني: لجنة الدفاع بمجلس النواب في بنغازي جدد رفضها القاطع لأي مخططات توطين باعتبارها تهديداً للسيادة الوطنية.

الأمم المتحدة: "عارية تماماً عن الصحة"

في بيان مفصل صدر في الخامس من يونيو، أعربت البعثة الأممية عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية المستهدفين لموظفيها. وشددت على أن "أياً من وكالاتها لا تنفذ أي برامج لتوطين المهاجرين في ليبيا." وأوضحت أن عملها يركز على إيجاد حلول خارج البلاد، بما في ذلك الإجلاء إلى دول ثالثة والعودة الطوعية، مع الاحترام الكامل لسيادة ليبيا.

لحظة وحدة وطنية نادرة

ما يجعل هذه الأحداث استثنائية هو اتساع الإجماع السياسي الذي أفرزته. فقد وجدت الفصائل الليبية المتنافسة نفسها تتحدث بصوت واحد. وكتب الصحفي جمال الكشكي في مقال رأي واسع الانتشار أن الأحداث كشفت عن "شعور وطني عميق ظل كامناً تحت ركام سنوات الانقسام." وحين لامست القضية الهوية والسيادة والمستقبل، تراجعت الخلافات السياسية وتقدمت فكرة الوطن إلى الواجهة.

لماذا يهم هذا مستقبل ليبيا؟

يمس جدل التوطين أخطر خطوط الانقسام في البلاد. ومع وجود ما يُقدر بـ 600 ألف إلى أكثر من مليون مهاجر حالياً في ليبيا — كثير منهم محتجزون في ظروف مريعة — فإن مسألة مصير هؤلاء السكان تحمل تداعيات عميقة على التوازن الديموغرافي وسوق العمل والأمن. وبالنسبة للمواطن الليبي، الخوف وجودي: بلد لا يتجاوز عدد سكانه 7 ملايين لا يستطيع استيعاب مئات الآلاف من السكان الدائمين الإضافيين دون تحولات جذرية.

نحو المستقبل: السيادة أولاً

أرسلت أزمة التوطين رسالة لا لبس فيها: سيادة ليبيا على أرضها وهويتها خط أحمر يتجاوز كل الانقسامات. والتحدي الآن هو توجيه هذه اللحظة النادرة من الوحدة نحو إصلاح مؤسسي دائم — بناء دولة تحمي حدودها وتخدم مواطنيها. لقد بدأت الغربة تنقشع، وما يتبقى هو أمة تعرف ما تقف ضده — وبدأت ترسم ملامح ما تقف من أجله.

— ليبيا برس / مكتب الأمن