فرنسا تكثّف دفعها الدبلوماسي لاتفاق انتخابي في ليبيا قبل جلسة حاسمة لمجلس الأمن

تُولي فرنسا اهتماماً متصاعداً بملف الانتخابات الليبية المتعثرة، في وقت تستعد فيه باريس لجلسة مصيرية لمجلس الأمن الدولي خلال الأيام القليلة المقبلة. وأكدت مصادر دبلوماسية فرنسية أن باريس تسعى لبلوغ اتفاق شامل يفضّ الجمود السياسي المستمر منذ سنوات، محذّرة من أن نافذة إجراء انتخابات ذات مصداقية تُغلق بسرعة. ويأتي هذا التحرّك في ظلّ تصاعد الإحباط الدولي من عدم قدرة الأطراف السياسية الليبية على الاتفاق على قوانين انتخابية رغم مفاوضات طويلة توسّطتها UN.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة على سير المشاورات، طرحت فرنسا مقترحاً موحّداً يهدف إلى المصالحة بين ثلاثة مسارات منفصلة تتنافس عليها المؤسسات الحاكمة الثلاث في ليبيا: مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، ومجلس الرئاسة. ويعكس هذا التنازع انعداماً عميقاً للثقة بين مراكز القوى في طرابلس والشرق الليبي، وفقاً لتحليلات إعلامية متخصّصة.

ثلاثة مسارات متنافسة تعمّق أزمة الثقة بين الفصائل الليبية

أظهر تحليل إعلامي أن المبادرة الفرنسية سلّطت الضوء الدولي على الأزمة الهيكلية داخل المؤسسات الانتقالية الليبية. وأفادت وسائل إعلام فرنسية بأن التنازع على الأطر الانتخابية الثلاثة لا يعكس خلافات تقنية فحسب، بل يكشف عن افتقار جوهري للثقة بين مراكز النفوذ الرئيسية في البلاد.

فالمسار الأول، الذي يدعمه مجلس النواب المقيم في طبرق، يقترح نهجاً تدريجياً يجمع بين الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال ثمانية عشر شهراً. فيما يصرّ المجلس الأعلى للدولة على إجراء استفتاء دستوري قبل أي اقتراع. ويدعو أعضاء في مجلس الرئاسة إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة تحت إشراف دولي.

حقائق جوهرية وراء المناورة الدبلوماسية الفرنسية

  • المبعوث الفرنسي الخاص إلى ليبيا عقد اثني عشر اجتماعاً منفصلاً على الأقل مع أصحاب المصلحة الليبيين خلال الأيام العشرة الماضية، وفقاً لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية.
  • من المقرر أن يصوت مجلس الأمن الدولي على قرار جديد بشأن الانتقال السياسي في ليبيا خلال اثنتين وسبعين ساعة القادمة.
  • لا تزال ثلاثة مسارات انتخابية منفصلة قيد الدراسة الرسمية، دون أي إجماع على التسلسل الزمني أو الإطار الدستوري.
  • بعثة UN للدعم في ليبيا حذّرت من أن استمرار الجمود ينذر بنشوب نزاع مسلح جديد في المناطق الغربية.
  • لم تشهد ليبيا انتخابات وطنية منذ عام ألفين وأربعة عشر، فيما انهارت محاولتان انتخابيتان سابقتان في عامي ألفين وواحد وعشرين وألفين وثلاثة وعشرين بسبب خلافات قانونية وسياسية.

مبعوث الأمم المتحدة يحذّر من عواقب غياب الاتفاق الفوري

شدّد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بالوكالة في إحاطة أخيرة أمام مجلس الأمن على أن صبر المجتمع الدولي ليس بلا حدود. وقال المبعوث: "لقد انتظر الشعب الليبي وقتاً كافياً لتشكيل حكومة شرعية تمثل إرادته"، مضيفاً أن التفكك المؤسسي الحالي يُضعف الأمن والتعافي الاقتصادي والخدمات العامة الأساسية لملايين المواطنين.

وأشار المبعوث كذلك إلى أن الرئاسات الثلاث — في إشارة إلى البنية ثلاثية الأعضاء لمجلس الرئاسة — تنخرط فيما يصفه الدبلوماسيون بـ"المناورة المتوازية"، حيث يتابع كل عضو تحالفات منفصلة مع أطراف إقليمية ودولية. ووفقاً لمسؤولين في ، فإن هذا الديناميك جعل بناء التوافق أمراً بالغ الصعوبة وأثّر سلباً على ثقة المواطنين الليبيين العاديين في المسار السياسي.

لماذا يهمّ هذا استقرار ليبيا ومستقبلها

بالنسبة إلى ليبيا، تتجاوز المخاطر النقاشات الإجرائية حول تسلسل الانتخابات. فانعدام الحكومة المنتخبة الموحدة أدام سوء الإدارة الاقتصادية، حيث أصدرت إدارات متنافسة للمصرف المركزي سياسات مالية متضاربة أشعلت التضخم وأدّت إلى تراجع قيمة العملة. ويواجه المواطنون في شرق ليبيا وغربها انقطاعات يومية للكهرباء، وبنية تحتية صحية متدهورة، ووضعاً أمنياً تتحرك فيه الجماعات المسلحة بلا محاسبة تُذكر.

وتُمثّل المبادرة الدبلوماسية الفرنسية أحد أعمق الجهود الدولية لكسر الجمود منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام ألفين وعشرين. وحذّر محللون في مجموعة الأزمات الدولية من أن ليبيا تنزلق نحو دورة جديدة من المواجهة المسلحة قد تزعزع استقرار منطقة البحر الأبيض المتوسط بأسرها، في حال عدم التوصل إلى تسوية سياسية ذات مصداقية خلال الأشهر الستة المقبلة.

ما الذي سيحدث بعد تصويت مجلس الأمن

تُنظر إلى جلسة مجلس الأمن المرتقبة على نطاق واسع بوصفها لحظة فاصلة في المسار السياسي الليبي. ومن المتوقع أن ينظر أعضاء المجلس في صيغة تفرض جدولاً زمنياً ملزماً لسنّ التشريعات الانتخابية، مع عواقب محتملة تشمل فرض عقوبات موجّهة على الأطراف التي تُعيق العملية.

ويُشير التفاعل الدبلوماسي الفرنسي إلى أن باريس ترى في اللحظة الراهنة فرصة ضيقة لكنها حقيقية لإحراز تقدّم. وسواء اغتنم القادة السياسيون الليبيون هذه الفرصة أو واصلوا سيرهم في طريق التنافس المؤسسي، فإن ذلك سيحدّد ليس مستقبل الانتخابات فحسب، بل بقاء ليبيا كدولة موحدة. وستكشف الأيام القادمة ما إذا كانت دبلوماسية اللحظات الأخيرة قادرة على النجاح حيث فشلت سنوات من المفاوضات.

-- ليبيا برس / مكتب السياسة