تشهد بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، نهضة ثقافية ملحوظة بعد أكثر من عقد من النزاع وعدم الاستقرار الذي أعقب الحرب الأهلية عام 2011. وتُعد هذه الحركة الفنية المتجددة عاملاً أساسياً في مساعدة سكان المدينة على التعافي وإعادة بناء هويتهم الثقافية.

ويتجلى هذا التحول بوضوح من خلال مهرجان بنغازي الصيفي، وهو أول مهرجان كبير يُقام في المدينة منذ اندلاع الحرب الأهلية. وقد استضاف ملعب شهداء فبراير الذي سُمي تكريماً لمن قُتلوا خلال الأيام الأولى للقتال من أجل السيطرة على شرق ليبيا نخبة من نجوم الراب الإقليميين من بينهم المصري ويجز والتونسية سمارة والمغربي إلغراندي توتو والليبيين كاحلا ومانسور أنكون.

وأوضح أحمد كويفة، المنظم الرئيسي للمهرجان، أن فكرة إقامة المهرجان طُرحت قبل أربع سنوات لكن كان من المستحيل تنفيذها في ذلك الوقت بسبب استمرار عدم الاستقرار وغياب البنية التحتية. وقال كويفة: لم نتمكن من تنظيم حدث بهذا الحجم حتى أدركنا مؤخراً أن الأمور تغيرت بما يكفي للمضي قدماً في هذا المشروع.

واجه المهرجان أيضاً تحديات ثقافية، إذ اعتاد السكان خلال حقبة القذافي على حضور المهرجانات مجاناً، ففوجئ كثيرون بضرورة دفع تذاكر الدخول. غير أن استضافة فناني الراب والبوب المعاصرين وهي أنواع موسيقية لم تكن لتُدعى في ظل النظام السابق أقنعت الجمهور سريعاً وأصبحت معظم الحفلات تباع بالكامل.

وإلى جانب الموسيقى، يتضمن المهرجان برنامجاً فنياً وثقافياً غنياً. ويُقام معرض يومي للكتب والفنون في المتحف التركي، الذي كان في السابق مبنىً إدارياً أنيقاً، ويضم أكشاكاً تبيع كتباً غربية مترجمة ومنتجات محلية مثل زيت الزيتون والتمور والمراوح المنسوجة. كما استغلت منظمة صالون ثقافة التبو هذه المنصة لعرض تاريخ القبيلة الفريد وهويتها الإقليمية في مواجهة سنوات من التمييز.

وعاد الفنان المحلي محمد بوليفة، المعروف فنياً باسم بوليفة، من تونس لعرض أعماله الخطية الملونة المميزة في المهرجان. وقال بوليفة: لفترة طويلة، كان انعدام الاستقرار والأمن في المدينة يعني أن السكان يركزون فقط على الأمور الأساسية، وهو أمر مفهوم تماماً. إنه لشرف كبير أن أرى الناس يستمتعون بالفن من جديد.

من جهتها، أشارت الطالبة والنحاتة آنجي الفيسي، التي قدمت أعمالاً تصور معالم ليبية بارزة تشمل القلعة الحمراء في طرابلس ومنارة بنغازي وقلعة سبها في الجنوب ومسجد الصحابة، إلى تحول كبير في نظرة المجتمع للمهن الإبداعية. وقالت: عندما بدأت دراستي في الجامعة، كان هناك أربعة طلاب فقط في فصلنا. أما اليوم فأصبحنا خمسة عشرة. لقد تغيرت العقلية الليبية تجاه الفن وأهميتها بشكل حقيقي.

كما شهد المهرجان مباريات كرة قدم وعروضاً مسرحية وأداءاتً لفنانين إقليميين من بينهم اللبناني وائل جسار، فيما حضر الأسطورة البرازيلي رونالدينيو ضيفاً شرفاً في أحد الفعاليات الرياضية.

وبينما تواصل بنغازي إعادة بناء نفسها حيث تنهض الملاعب والمساجد الجديدة جنباً إلى جنب مع المباني المتضررة من الحرب تقدم نهضتها الثقافية شهادة قوية على صمود سكانها وقوة الفن التشافية.