مصر والجزائر وتونس تحيي جهود التسوية السياسية في ليبيا في هجوم دبلوماسي جديد

الآلية الثلاثية تستيقظ بعد أشهر من الجمود السياسي

أطلق وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس جهدًا دبلوماسيًا منسقًا جديدًا لتوجيه ليبيا نحو تسوية سياسية شاملة، في أهم تحرك إقليمي للمصالحة الليبية منذ أشهر. ففي اجتماع عُقد بالجزائر العاصمة، أصدرت الدول الثلاث المجاورة بيانًا مشتركًا دعت فيه جميع الأطراف الليبية إلى الانخراط بجدية في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

وعادت الآلية الثلاثية، التي كانت خاملة طوال معظم عام 2025، إلى الواجهة ببيان ختامي يحث الفرقاء الليبيين على "إعطاء الأولوية للحكمة والحوار والمصالح العليا للبلاد". ويعكس الاجتماع قلقًا متزايدًا بين جيران ليبيا المباشرين إزاء استمرار عدم الاستقرار على حدودهم المشتركة وتداعياته على المنطقة بأسرها.

جبهة إقليمية موحدة لدعم التسوية

استضاف وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف نظيريه المصري والتونسي في مباحثات وصفها دبلوماسيون بأنها "صريحة وبناءة". وأكد الوزراء الثلاثة أن التسوية السياسية يجب أن تكون بقيادة ليبية وبملكية ليبية خالصة، على أن تقوم الأمم المتحدة بدور داعم لا دور توجيهي.

وجاء في البيان المشترك: "لا يمكن فرض سلام دائم من الخارج، الحل يجب أن يأتي من الليبيين أنفسهم بدعم من دول الجوار والمجتمع الدولي". ويعكس هذا الموقف مبدأً راسخًا للآلية الثلاثية مفاده أن الأطراف الخارجية ينبغي أن تسهل المسار السياسي في ليبيا لا أن تمليه.

لماذا الآن؟ الحسابات الاستراتيجية وراء التحرك

يأتي هذا النهضة الدبلوماسية في منعطف بالغ الأهمية. فليبيا لا تزال منقسمة بين حكومات وفصائل متنافسة، وسط مخاوف من تطور الاشتباكات المتفرقة إلى صراع شامل. وقد كافحت الأمم المتحدة للحفاظ على زخم وساطتها، في ظل انشغال القوى الدولية الكبرى بأزمات أخرى.

بالنسبة لمصر، يعني استقرار ليبيا تأمين حدودها الغربية وتقليل التهديدات من الجماعات المسلحة النشطة قرب الحدود. أما الجزائر فترى في الاستقرار الليبي ركيزة أساسية للتعاون في مكافحة الإرهاب عبر منطقة الساحل. وتونس، التي تواجه صعوبات اقتصادية، تعتمد على التبادل التجاري مع ليبيا وتسعى لمنع امتداد العنف إلى أراضيها.

المطالب الرئيسية: الحوار والانتخابات والمصالحة الوطنية

وضع وزراء الخارجية الثلاثة خارطة طريق واضحة خلال اجتماعهم شملت ثلاثة محاور رئيسية: الأول، الوقف الفوري للخطابات التحريضية من جميع الأطراف. الثاني، إعادة تنشيط المسار السياسي برعاية أممية مع جداول زمنية محددة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. الثالث، الشروع في مصالحة وطنية شاملة تتضمن آليات العدالة الانتقالية وإعادة دمج الجماعات المسلحة في مؤسسات الدولة.

وشدد الوزراء أيضًا على ضرورة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية تحت هيكل قيادة واحد، وهو مطلب طويل الأمد ظل صعب التحقيق في ظل الانقسام الحاد.

الاستجابة الدولية ودور الأمم المتحدة

رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتحرك المتجدد للآلية الثلاثية، حيث دعت الأمم المتحدة مرارًا إلى دعم إقليمي منسق لكسر الجمود السياسي في ليبيا، حيث تستمر الحكومات المتوازية في طرابلس والشرق في التنافس على الشرعية.

ويرى محللون أن اجتماع الجزائر قد يمنح زخمًا جديدًا للمباحثات المتعثرة التي تقودها الأمم المتحدة. وقال محلل متخصص في شؤون شمال إفريقيا مقيم في تونس: "عندما تتحدث مصر والجزائر وتونس بصوت واحد بشأن ليبيا، فإن لذلك ثقلاً كبيرًا. هذه الدول الثلاث تمثل معًا الكتلة الإقليمية الأكثر تأثيرًا في هذا الملف".

عقبات أمام الطريق

رغم الزخم الدبلوماسي، لا تزال هناك عقبات كبيرة تهدد المسار. أدى انعدام الثقة العميق بين الشخصيات السياسية والعسكرية الرئيسية في ليبيا إلى عرقلة مبادرات سابقة. كما أن انتشار الجماعات المسلحة ذات المصالح المتضاربة يزيد من تعقيد أي عملية سياسية موحدة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ساهم المفسدون الخارجيون — بمن فيهم قوى غير إقليمية ذات أجندات متضاربة — في تقويض جهود التسوية السابقة.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي. فاليوم، تُستخدم عائدات النفط الليبية، رغم ضخامتها، كورقة ضغط في النزاعات السياسية عبر الحصار والإغلاق. ودعا بيان الآلية الثلاثية إلى "إدارة شفافة وعادلة للثروة الوطنية" كأساس للاستقرار طويل المدى.

بصيص أمل لليبيين

بالنسبة لسبعة ملايين شخص يعيشون في ليبيا، يمثل هذا التحرك الدبلوماسي المتجدد بصيص أمل بعد سنوات من الغموض. فقد تدهورت مستويات المعيشة، وتفككت الخدمات العامة، ولا يزال الوضع الأمني هشًا في مناطق عديدة. وأصبح الوعد المتكرر بإجراء الانتخابات، الذي تأجل أكثر من مرة، اختبارًا لصبر شعب يتوق إلى العودة إلى الحياة الطبيعية.

يبقى السؤال: هل تنجح هذه المبادرة حيث فشلت سابقاتها؟ يعتمد ذلك على مدى استعداد القادة الليبيين لوضع المصلحة الوطنية فوق المكاسب الشخصية والفئوية. الآلية الثلاثية قد وضعت الطاولة، والأمر الآن متروك للأطراف الليبية للجلوس والتحاور.

— ليبيا برس / مكتب السياسة