كيف يمكن لليبيا أن تتوحد؟ مسار عبر الانقسام نحو الوحدة

بعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا منقسمة بشكل عميق بين مركزين متنافسين للسلطة. فالحكومة الوطنية الموحدة المعترف بها دولياً بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة تسيطر على طرابلس والغرب، بينما تهيمن القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر على الشرق والجنوب، مسيطرة على نحو ستين بالمئة من أراضي البلاد بما في ذلك احتياطياتها النفطية الهائلة. ويتطلب توحيد البلاد مواجهة قوة الميليشيات المتجذرة والتدخلات الأجنبية ومؤسسات الدولة المنهارة.

الحقائق الرئيسية: تشريح الانقسام

الانقسام الليبي مؤسسي بقدر ما هو جغرافي. فقد أنشأ حفتر نسخاً موازية من كل هيئة دولة رئيسية - مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط ومجلس النواب - في معقله الشرقي بنغازي. وفي طرابلس، تتقاسم السلطة الحكومة الوطنية الموحدة والفصائل المسلحة بما فيها جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وهيئة دعم الاستقرار واللواء 444 على نحو هش. وتعمل هذه الميليشيات على ترسيخ الهشاشة بدلاً من توفير الأمن. فبين عامي 2008 و2024، نزح أكثر من مليون ونصف المليون شخص من أصل سبعة ملايين نسمة بسبب العنف، ولا يزال أكثر من مئة ألف شخص نازحين حتى اليوم.

ردود الفعل والسياق: القوى الأجندة المتنافسة

حوّلت روسيا وتركيا ليبيا إلى ساحة نفوذ بالوكالة. فبعد سقوط نظام الأسد في سوريا، أعادت موسكو تركيزها على ليبيا ونشرت قواتها ومعداتها العسكرية في الشرق حيث يستفيد حفتر من الدعم الروسي. وفي المقابل، وضعت تركيا نفسها عسكرياً واقتصادياً في غرب ليبيا سعياً لتوسيع نفوذها في البحر المتوسط. وتضيف القوى الأوروبية مزيداً من التعقيد: فرنسا وإيطاليا تتنافسان بشأن الهجرة ومكافحة الإرهاب ومصالح الطاقة. ويؤكد محللون في معهد نيو لاينز أن الولايات المتحدة يجب أن تتحرك استراتيجياً لمنع روسيا وتركيا من رسم مستقبل ليبيا، محذرين من أن التدخل الأجنبي غير المنضبط يهدد تماسك حلف الناتو وأمن الطاقة العالمي. كما أن شركات النفط الأمريكية بما فيها كونوكوفيليبس تحتفظ بمصالح كبيرة في الامتيازات الليبية، مما يمنح واشنطن مصلحة اقتصادية واستراتيجية مزدوجة في تحقيق الاستقرار.

التحديات والمستقبل: خارطة طريق نحو إعادة التوحيد

يوصي الخبراء بإطار سياسي انتقالي يقوم على قيادة ديمقراطية شاملة تمثل جميع الفصائل الليبية. ويقترح معهد نيو لاينز تركيز السياسة الأمريكية على بناء المؤسسات المحلية بدلاً من المفاوضات على المستوى الوطني، مع استخدام مؤشرات عامة لحكومتي ليبيا لتقليل الاعتماد على الدعم الأجنبي. ويمكن لدعم حلف الناتو في مجالات الاستطلاع والمراقبة أن يساعد السلطات المحلية في تنظيم انتخابات موحدة. إن الطريق ضيق: فالفساد متجذر بعمق، والجماعات المسلحة الإسلامية بما فيها بقايا داعش وأنصار الشيع لا تزال تعمل في المناطق الصحراوية الوسطى والشرقية، ونخبة ليبيا تستفيد من الوضع الراهن. لكن إذا تمكنت المجتمع الدولي من مساعدة الحكومتين المتنافستين على إيجاد أرضية مشتركة في الأمن والحوكمة، فإن السلام الدائم يظل إمكانية حقيقية.

لن يحدث توحيد ليبيا بين عشية وضحاها. فهو يتطلب التزامًا دوليًا مستدامة وإرادة سياسية حقيقية من القادة الليبيين على الجانبين، وإطارًا أمنيًا يحل محل الميليشيات بمؤسسات مسؤولة. وتكلفة التقاعس - دولة مشرخة بشكل دائم في قلب البحر المتوسط - أكبر بكثير من الاستثمار المطلوب لبناء ليبيا الموحدة.