ليبيا تُطلق مسيرة إعادة الإعمار بشراكات تركية وصينية بينما تتقدم المحادثات السياسية برعاية أممية

تُسرّع ليبيا جدول أعمال إعادة الإعمار على عدة عدة جبهات، من خلال تعميق الشراكات مع تركيا والصين، بينما تنعقد جولة جديدة من المفاوضات السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة في تونس. ويسعى هذا البلد الأفريقي الشمالي الذي يضم نحو 6.8 مليون نسمة إلى تحويل الاستقرار الهش إلى تنمية ملموسة بعد أكثر من عقد من الانقسام. وتُشير هذه المسارات المتوازية - الاقتصادية والسياسية - إلى دفع جديد نحو التعافي الدائم.

شراكات إعادة الإعمار: تركيا والصين في قلب المشهد

في مطلع أبريل 2026، استقبل مدير عام شركة الاستثمار والتنمية الليبية طارق الشافعي القنصل التجاري التركي سعات أوزبك، وذلك في إطار عمل اللجنة الحكومية الليبية التركية المشتركة. وناقش الطرفان آليات إعادة تفعيل المشاريع المتوقفة وإطلاق مشاريع جديدة في قطاعي الإسكان والبنية التحتية، مع التركيز على عودة الشركات التركية لإكمال أعمالها. وأعرب الجانب التركي عن إعجابه بالحلول المقترحة وتعهد بدعمها عبر القنوات التنفيذية في طرابلس.

وفي سياق منفصل، أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة خلال جلسة حوار ليبية صينية أن الصين "شريك استراتيجي في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية." ودعا الدبيبة الشركات الصينية الكبرى للعودة وإكمال المشاريع المعلقة في قطاعات الطاقة والإسكان والبنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق. ومن جهه، أشاد سفير الصين لدى ليبيا ما شيو ليانغ بمستوى التعاون القائم وأكّد استعداد بلاده لتعزيز الشراكة الاستراتيجية في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والتحول الرقمي.

محادثات تونس: جولة جديدة برعاية أممية

انعقدت جولة جديدة من "الاجتماع المصغر" برعاية الأمم المتحدة في تونس يوم 13 مايو، بمشاركة وفود من مراكز القوى الليبية المتنافسة. وأرسلت حكومة الوحدة الوطنية كلاً من وليد اللافي ومصطفى المانع وعبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز، بينما ضمّ وفد خليفة حفتر عبد الرحمن العبار وزيد هدية والشيباني أبوهمود وآدم بوشار. وتركزت المناقشات على استكمال الأطر الدستورية والقانونية اللازمة لإجراء انتخابات عامة - وهي عملية متوقفة منذ ديسمبر 2021.

ووصفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الأجواء بأنها "مثمرة"، مع اتفاق المشاركين على الحفاظ على الزخم الإيجابي وإزالة العقبات التقنية والقانونية. واختُتمت الجولة باستئناف المحادثات في مطلع يونيو المقبل. وأشار المتحدث باسم البعثة محمد الأسعدي إلى أن صيغة الاجتماع المصغر فُعّلت بعد ثمانية أشهر من الجمود بين مجلس النواب ومجلس الدولة بشأن خارطة الطريق الأممية التي أعلنتها المبعوثة هانا تيته في أغسطس 2025.

الميزانية الموحدة: إنجاز تاريخي بعد 13 عاماً

في إنجاز موازٍ، أعلنت ليبيا عن أول ميزانية وطنية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، وذلك بعد سبعة أشهر من المفاوضات عبر لجنة ثنائية مشتركة. وينص الاتفاق على بند رواتب موحد بقيمة 73.36 مليار دينار، وبند نفقات تشغيلية بقيمة 10 مليارات دينار، وبند دعم بقيمة 44 مليار دينار، وبند تنمية يقارب 40 مليار دينار يغطي قطاعات الكهرباء والتعليم والخدمات الأساسية. كما ستخضع مؤسسة النفط الوطنية لتدقيق خارجي مستقل بإشراف شركات دولية.

وتُظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن إيرادات عام 2025 بلغت نحو 136.8 مليار دينار (حوالي 21.5 مليار دولار). ويرى الاقتصاديون أن الميزانية الموحدة قد تُسهم في استقرار سعر صرف الدينار وكبح التضخم واستعادة ثقة المستثمرين - لكن فقط في حال التزام جميع الأطراف بالانضباط الإنفاقي وتجنب التمويل الموازي خارج الإطار المتفق عليه.

التحديات والآفاق

رغم التقدم المحرز، لا تزال تحديات كبيرة قائمة. فالتعبئات العسكرية بين الفصائل الشرقية والغربية تُواصل تعقيد المسار السياسي، كما أن الجماعات المسلحة ذات المصالح المكتسبة قد تعطل الإصلاحات التي تهدد نفوذها. ولم يُصدّق مجلس النواب ومجلس الدولة بشكل كامل على صيغة الاجتماع المصغر، حيث رفض بعض الأعضاء اختيار ممثلينهم من قبل أطراف خارجية. وفي الوقت نفسه، يظل اقتصاد ليبيا المعتمد على النفط - الذي شكّل 94% من الصادرات في 2024 - عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

سيعتمد النجاح على استمرار التفاعل الدولي والتوافق الليبي الحقيقي والتنفيذ المنضبط لكل من الاتفاق المالي وخارطة الطريق الانتخابية. وبالنسبة لبلد عانى من التشرذم لأكثر من عقد، فإن التقاء شراكات إعادة الإعمار مع الحوار السياسي يُقدم سبباً حذراً لكنه حقيقي للتفاؤل.