ليبيا بين ضغوط التسوية وهشاشة الداخل.. واشنطن ترعى مسارات مالية وانتخابية وسط تصاعد الأزمات الأمنية

في تحول لافت في مقاربة الأزمة الليبية، باتت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر انخراطاً في الملفات الاقتصادية والمالية للبلاد، بعد سنوات اكتفت خلالها بدعم محدود للمسار الأممي دون تدخل واسع في تفاصيل إدارة الأزمة. يأتي هذا التحول في وقت حرج تمر فيه ليبيا بمسارات سياسية ومالية وأمنية متوازية، تعكس حجم الانقسامات الداخلية والحراك الدولي المتزايد لدفع البلاد نحو تسوية تدريجية.

واشنطن تتبنى دوراً مباشراً في توحيد المؤسسات المالية الليبية

احتضنت العاصمة التونسية تونس اجتماعاً رفيعاً ضم ممثلين عن مؤسسات من شرق ليبيا وغربها برعاية أمريكية مباشرة، لبحث ملفات الإنفاق العام والإيرادات النفطية وآليات توريد المحروقات. وعقد الاجتماع داخل مقر السفارة الأمريكية في تونس بحضور القائم بالأعمال الأمريكي لدى ليبيا جيرمي برنت وبرعاية وزارة الخزانة الأمريكية، بمشاركة ممثلين عن مصرف ليبيا المركزي وصندوق إعادة الإعمار وحكومة الوحدة الوطنية وعدد من الشخصيات الاقتصادية والسياسية من مختلف الأطراف.

تناول الاجتماع آلية تنفيذ اللجنة الفنية لاتفاق توحيد الإنفاق، واستعرض حجم الإنفاق العام والإيرادات النفطية وغير النفطية حتى منتصف مايو الجاري، فضلاً عن مناقشة التوقعات المالية حتى نهاية العام. ويأتي هذا التحرك بعد أسابيع من توقيع اتفاق "الإنفاق العام الموحد" بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة برعاية مصرف ليبيا المركزي، وهو الاتفاق الذي تسعى أطراف دولية إلى تثبيته باعتباره أحد المداخل الرئيسية لتقليل حدة الانقسام المؤسساتي وتخفيف الصراع على الموارد المالية والنفطية.

لجنة "4+4" والدفع نحو أطر انتخابية جديدة

بالتوازي مع هذه التطورات المالية، تواصل اللجنة المصغرة المعروفة بـ"4+4" جهودها لكسر حالة الانسداد السياسي والدفع نحو تفاهمات انتخابية جديدة. وتضم اللجنة ممثلين عن الأطراف الأساسية المؤثرة في البلاد، وتمثل مقاربة أكثر تركيزاً مقارنة بالأطر المؤسسية الأوسع التي غالباً ما تعاني من الجمود. وقد حملت جولة تونس الأخيرة مؤشرات على تحقيق اختراق أولي في ملف القوانين الانتخابية، وسط حديث عن توافق مبدئي على فصل الانتخابات البرلمانية عن الانتخابات الرئاسية، وهي إحدى أبرز النقاط الخلافية التي أدت إلى انهيار الانتخابات المقررة نهاية عام 2021.

وأكد عضو لجنة "4+4" عبد الجليل الشاوش أن الاجتماعات الأخيرة شهدت نقاشات "جادة وبناءة" ركزت على معالجة أسباب تعثر الانتخابات خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن الجولة الأخيرة وضعت "اللبنة الأولى" لبناء إطار انتخابي جديد، مع الاتفاق على مواصلة الاجتماعات مطلع يونيو المقبل. من جهته، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة أن المسار المصغر يعكس توجهاً دولياً نحو "آليات بديلة" بعد فشل المؤسسات السياسية التقليدية في تحقيق أي تقدم خلال العامين الماضيين.

تصاعد التحديات الأمنية يهدد التقدم السياسي

رغم هذه التطورات السياسية والاقتصادية، لا تزال ليبيا تواجه تحديات أمنية متصاعدة تعكس استمرار حالة الانقسام وضعف السيطرة الأمنية. ففي العاصمة طرابلس، تحولت مباراة لكرة القدم بين الاتحاد والسويحلي ضمن منافسات سداسي التتويج بالدوري الليبي الممتاز إلى موجة احتجاجات وأعمال شغب واسعة، انتهت باستهداف مقر ديوان مجلس الوزراء بالحرق والتخريب، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني حتى داخل العاصمة.

أدان المجلس الرئاسي هذه الأحداث، معتبراً أن استهداف مقر حكومي يمثل "مساساً خطيراً بهيبة الدولة وسيادتها"، معلناً دعمه لفتح تحقيقات عاجلة لمحاسبة المتورطين والكشف عن ملابسات ما جرى. وقد بدأت الأحداث داخل ملعب ترهونة البلدي عقب احتجاجات على مجريات المباراة، قبل أن تتصاعد بسرعة وتتحول إلى أزمة أمنية كاشفة عن التوترات العميقة التي تغلي تحت سطح المجتمع الليبي.

الطريق نحو الأمام: تفاؤل حذر وسط تحديات مستمرة

مع دخول ليبيا شهر يونيو 2026، يشكل التقاء الدبلوماسية الأمريكية والمحادثات السياسية بوساطة الأمم المتحدة وجهود توحيد المؤسسات المالية فرصة نادرة للتقدم. غير أن الحوادث الأمنية المتكررة والتنافس المؤسساتي وصعوبة ردم هوة الانقسام بين الشرق والغرب تعني أن أي تقدم يظل هشاً. وقد يوفر تحول المجتمع الدولي نحو مقاربات أكثر مرونة وتدرجاً، تركز على ملفات أقل تعقيداً مثل إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات وتعديل بعض القوانين، مساراً أكثر واقعية للمضي قدماً. ويبقى السؤال الجوهري الذي يواجه جميع الأطراف الفاعلة هو ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على هذا الزخم الإيجابي في مواجهة التحديات العميقة التي تواجهها ليبيا.